روايات وقصص

رجعت البيت بقلم منال علي

3

رجعت البيت بقلم منال علي

مقالات ذات صلة

نظرة سريعة، ثم قالت شيماء

معرفش إنت بتتكلم عن إيه.

وفي اللحظة نفسها، سمع مصطفى صوتًا من باب الشقة.

يمكن ده اللي بتدور عليه؟

التفت بسرعة.

كان عم سيد، بواب العمارة، واقفًا وهو ماسك دفترًا بنيًا قديمًا.

قال الرجل

من يومين لقيته واقع تحت المكتب وأنا بنضف مدخل الشقة بعد ما طلبت مني والدتك أساعدها أنقل شوية كراتين. افتكرت إنه مهم، فاحتفظت بيه عشان أسلمه لصاحبه.

تنفس مصطفى الصعداء وأخذ الدفتر.

لاحظ أن وجه أمه تغير لأول مرة، وبدت عليها علامات التوتر.

دخل غرفته وأغلق الباب.

فتح الدفتر.

لم يكن مذكرات…

بل سجلًا صغيرًا.

كل صفحة فيها تاريخ، وتحت التاريخ قائمة بما كانت تحتاجه ياسمين بعد الولادة مواعيد الدواء، قياس الحرارة، عدد رضعات حمزة، وملاحظات كتبها الطبيب بنفسه بعد آخر زيارة منزلية.

وفي آخر الصفحات، وجد ظرفًا صغيرًا مثبتًا داخل الغلاف.

فتح الظرف…

فسقط منه مفتاح نحاسي صغير، ومعه ورقة مكتوب عليها

المفتاح ده للخزانة الحديد اللي في المخزن القديم فوق السطح… هناك هتعرف ليه كنت مصممة أخبي كل حاجة، وليه كنت مستنية ترجع بنفسك قبل ما أتكلم.

رفع مصطفى المفتاح بين أصابعه، وهو يشعر أن كل إجابة يحصل عليها، تفتح أمامه سؤالًا أكبر.

نظر من شباك الغرفة إلى باب السطح…

وكان مفتوحًا على غير العادة قبض مصطفى على المفتاح، وخرج من الأوضة من غير ما يبص لأمه أو أخته.

اتجه مباشرة للسلم المؤدي للسطح.

كل درجة كان بيطلعها، كان قلبه بيدق أسرع.

وصل لباب المخزن القديم، وهو مكان بقاله سنين محدش بيستعمله غير لتخزين الأغراض القديمة.

كانت الخزانة الحديد فعلًا في آخر الركن، وعليها طبقة تراب سميكة.

أدخل المفتاح…

ودار بسهولة.

فتح الباب ببطء.

في الداخل كانت هناك عدة صناديق صغيرة، وحقيبة يد قديمة تخص ياسمين، وملف أزرق مكتوب عليه بخطها

أوراق حمزة.

فتح الملف بسرعة.

وجد شهادة ميلاد الطفل، وتقارير التطعيم، وروشتات الأطباء، وكل الأوراق مرتبة بعناية.

وتحتها مباشرة ظرف آخر.

فتح الظرف.

كان فيه إيصالات شراء الأدوية التي كانت ياسمين تطلبها بعد الولادة، وكل إيصال عليه تاريخ.

الغريب أن معظم الأدوية كانت تُشترى بالفعل…

لكنها لم تكن موجودة في البيت.

فهم مصطفى أن ياسمين لم تكن تهمل علاجها، بل كانت الأدوية تختفي بعد شرائها.

وأثناء تقليبه في الحقيبة القديمة، سقطت مفكرة صغيرة.

في أول صفحة كتبت ياسمين

كل يوم هكتب حاجة، يمكن في يوم مصطفى يعرف اللي حصل وأنا مقدرتش أقوله.

بدأ يقرأ.

اليوم الأول…

حمزة كان عنده مغص، فضلت ألف

بيه طول الليل، ولما نمت ساعة واحدة، صحيت على صوت ماما مصطفى بتقول إني أم مهملة.

اليوم الخامس…

طلبت أكلم مصطفى، قالتلي استني لما يخلص شغله، وبعدها قفلت التليفون في درج الصالة.

اليوم التاسع…

الدكتور قال لازم الراحة، لكنهم كانوا يصروا إني أقف في المطبخ، وكل ما أتعب يقولوا ده دلع.

أغلق المفكرة، وقد امتلأت عيناه بالدموع.

وفي تلك اللحظة…

سمع صوت خطوات فوق السطح.

أغلق الخزانة بسرعة، وخرج ينظر حوله.

لم يجد أحدًا.

لكن على الأرض، بجوار باب المخزن، كانت هناك ورقة مطوية حديثًا، كأن شخصًا وضعها منذ ثوانٍ فقط.

فتحها بحذر.

لم يكن فيها سوى جملة واحدة مكتوبة بخط غير مألوف

اللي عرفته لحد دلوقتي مجرد البداية… وفيه شخص كان بيشوف كل اللي بيحصل وساكت، وحان الوقت إنه يتكلم مصطفى قلب الورقة بين إيديه أكثر من مرة.

مفيش اسم… ولا أي علامة تدل على صاحبها.

نزل من السطح وهو محتفظ بالورقة في جيبه، لكن عقله كان بيدور في سؤال واحد

مين الشخص اللي كان شايف كل حاجة وساكت؟

بعد ساعتين، رجع المستشفى.

دخل أوضة ياسمين فلقاها أحسن شوية، وحمزة نايم بهدوء لأول مرة من أيام.

قعد جنبها وقال

لقيت الدفتر… وكل اللي كتبتيه كان حقيقي.

ياسمين غمضت عينيها للحظة وقالت

كنت عارفة إنك هتصدقني… بس متتسرعش في الحكم على حد قبل ما تسمع كل الكلام.

استغرب مصطفى.

يعني فيه حاجة أنا لسه معرفهاش؟

هزت رأسها بالإيجاب.

أيوه… وفيه واحد حاول يساعدني، لكنه كان خايف يتكلم.

وقبل ما تكمل، خبط الباب.

دخلت ممرضة وقالت

فيه راجل كبير برة بيسأل على الأستاذ مصطفى، وبيقول إن الموضوع ضروري جدًا.

خرج مصطفى بسرعة.

وجد عم سيد، بواب العمارة، واقفًا وهو ماسك ظرفًا صغيرًا.

قال وهو يناوله الظرف

أنا افتكرت خلاص سلمتك كل حاجة… لكن وأنا بنضف أوضة الحارس، لقيت ده واقع تحت الدولاب. شكله وقع من شنطة مدام ياسمين يوم رجعت من المستشفى.

فتح مصطفى الظرف.

كان فيه كارت ذاكرة صغير خاص بكاميرا مراقبة منزلية.

نظر إلى عم سيد باستغراب.

ده بتاع إيه؟

قال الرجل

قبل الولادة بكام شهر، حضرتك كنت مركب كاميرا صغيرة في مدخل الشقة عشان تتابع الطرود وأنت في الشغل… فاكر؟

اتسعت عينا مصطفى.

كان ناسي الكاميرا تمامًا.

أخرج الكارت ووضعه في هاتفه.

ظهرت تسجيلات كثيرة.

بدأ يشغل آخر تسجيل قبل امتلاء الذاكرة.

ظهر مدخل الشقة بوضوح.

رأى نفسه وهو يغادر للعمل صباحًا.

وبعد خروجه بدقائق…

دخلت والدته تحمل أكياسًا، ثم صعدت أخته بعدها.

لكن ما شد انتباهه لم يكن دخولهما…

بل الشخص الثالث

الذي وصل بعدهما بعشر دقائق.

كان رجلًا مسنًا يحمل حقيبة طبية، وقف أمام الباب، وطرق الجرس عدة مرات.

فتحت له والدته.

تحدث معها دقيقة أو اثنتين، ثم هز رأسه وغادر دون أن يدخل.

أوقف مصطفى الفيديو.

لم يكن يعرف هذا الرجل.

لكن كان واضحًا من حقيبته أنه يعمل في المجال الطبي.

رفع سماعة الهاتف واتصل بعم سيد.

عم سيد… الراجل ده تعرفه؟

سكت الرجل لحظة، ثم قال

أعرفه… ده الصيدلي اللي كانت ياسمين بتتعامل معاه. وكان بييجي بنفسه لما يكون فيه دواء مستعجل.

سكت مصطفى، وقد بدأ يشعر أن هذا الرجل قد يكون الشاهد الذي يعرف ما حدث في الأيام الأخيرة… وربما يحمل الإجابة عن أسئلة كثيرة ما زالت بلا تفسير في صباح اليوم التالي، خرج مصطفى من المستشفى بعد ما اطمأن على ياسمين وحمزة، واتجه مباشرة إلى الصيدلية التي أخبره عنها عم سيد.

كانت صيدلية صغيرة في آخر الشارع، وصاحبها رجل تجاوز الستين من عمره، اسمه الحاج فؤاد.

أول ما شاف مصطفى، عرفه من أول نظرة.

تنهد وقال

كنت مستني اليوم ده من زمان.

اتسعت عينا مصطفى.

تعرفني؟

ابتسم الرجل بحزن.

أعرفك… وأعرف مراتك. وكانت كل مرة تيجي تاخد العلاج، توصيني أقولك إنها بخير لو سألت، لأنها كانت خايفة تزود همومك.

جلس مصطفى أمامه في صمت.

أخرج الحاج فؤاد دفترًا صغيرًا من درج المكتب.

أنا عندي عادة… أي دواء بيتوصل للمنازل بكتبه في الدفتر بتاريخ الاستلام واسم اللي استلمه.

فتح الصفحة الخاصة بياسمين.

كانت كل المواعيد مسجلة بدقة.

وفي خانة المستلم لم يكن مكتوب اسم ياسمين أبدًا…

بل كان مكتوبًا في أغلب المرات

والدة الزوج.

قال الحاج فؤاد

كنت كل مرة أقول لها لازم الدواء يوصل للمريضة بنفسها… لكنها كانت تصر إنها هتديهولها، وإن ياسمين نايمة أو بترضع الطفل.

خفض رأسه وأضاف

مرة واحدة فقط شفت مراتك بنفسها… كانت ضعيفة جدًا، ولما حاولت أسألها إذا كانت محتاجة حاجة، والدتك قاطعت الكلام بسرعة وأدخلتها الأوضة.

ظل مصطفى ساكتًا.

ثم سأله

ليه ما قلتليش؟

تنهد الحاج فؤاد وقال

ماكانش عندي دليل إن فيه إساءة، وكل اللي كنت أشوفه خلافات عائلية. لكن بعد اللي حصل… ندمت إني ما أصريتش أكتر.

وقبل أن يغادر مصطفى، ناداه الحاج فؤاد.

استنى.

فتح درجًا آخر، وأخرج علبة دواء مغلقة.

دي آخر علبة طلبتها ياسمين قبل ما تدخل المستشفى

بيومين. والدتك قالت إنها هتاخدها ليها… لكن بعدها رجعت العلبة وقالت العلاج اتغير.

نظر مصطفى إلى تاريخ الروشتة.

كان نفس اليوم الذي اتصلت فيه ياسمين به وهي تبكي.

أخذ العلبة وشكر الرجل.

وفي

طريق عودته إلى المستشفى، رن هاتفه.

كان رقمًا مجهولًا.

رد بحذر.

جاءه صوت رجل هادئ يقول

أستاذ مصطفى… أنا مش هعرف أقولك أنا مين دلوقتي، لكن فيه حاجة لازم تعرفها.

سكت لحظة ثم أكمل

اللي حصل لمراتك ماكانش في آخر أسبوع بس… الموضوع بدأ من قبل الولادة بشهور، وفيه شخص كان بيسجل كل حاجة من غير ما حد يحس.

وقبل أن يسأله مصطفى أي سؤال…

أغلق الرجل الخط.

نظر مصطفى إلى شاشة الهاتف، ثم إلى علبة الدواء في يده، وشعر أن كل خطوة تقوده إلى سر أكبر مما كان يتخيل… وأن هناك شاهدًا آخر لم يظهر بعد، يحمل القطعة الأخيرة من الحقيقة وصل مصطفى إلى المستشفى وهو يحمل في قلبه وجعًا لا يوصف، لكنه كان يعرف أن الوقت لم يعد وقت غضب، بل وقت إنقاذ أسرته.

دخل إلى غرفة ياسمين، فوجدها مستيقظة لأول مرة منذ أيام، وحمزة نائم بجوارها في هدوء.

جلس أمامها، وأمسك يدها وقال بصوت مكسور

سامحيني… أنا كنت موجود، لكني ما شفتش تعبك.

ابتسمت ياسمين رغم ضعفها، وقالت

أهم حاجة إنك صدقتني قبل ما يكون فات الأوان.

في اليوم التالي، خرجت ياسمين من المستشفى بعد أن استقرت حالتها، وعادت مع مصطفى إلى بيت جديد استأجره بعيدًا عن أي توتر، حتى تبدأ هي وحمزة حياة هادئة.

أما والدته، فذهب إليها مصطفى بمفرده.

قال لها بهدوء لم تعهده منه

أنا عمري ما هأنكر تعبك معايا وأنا صغير، ولا هأنسى فضلك، لكن اللي حصل مع ياسمين كان غلط كبير. هي كانت محتاجة رعاية ورحمة، مش قسوة.

حاولت تبرر أفعالها، وقالت إنها كانت تريد أن تعلمها الاعتماد على نفسها، لكنه رد

التربية عمرها ما تكون بحرمان مريضة من علاجها أو منعها من الراحة.

ترك لها مفاتيح الشقة القديمة، وأخبرها أنه سيظل يبرها ويسأل عنها، لكن حياته الزوجية ستكون مستقلة، ولن يسمح لأي أحد أن يتدخل فيها مرة أخرى.

ومع مرور الأيام، بدأت والدته تشعر بالوحدة، وأدركت أن تمسكها بالسيطرة على حياة ابنها كاد يهدم أسرته كلها.

بعد عدة أشهر، ذهبت بنفسها إلى بيت مصطفى.

طرقت الباب بخجل.

فتحت لها ياسمين.

ساد الصمت لثوانٍ، ثم قالت الأم والدموع في عينيها

أنا غلطت… وافتكرت إن الشدة هي الصح. سامحيني لو تقدري.

لم تنسَ ياسمين ما مرت به، لكنها لم ترد أن يكبر حمزة وسط الكراهية.

قالت بهدوء

المسامحة محتاجة وقت… لكن باب الخير عمره ما يتقفل.

مرت السنوات.

كبر حمزة في بيت مليء بالهدوء والاحترام، وتعلم من والديه أن الرحمة ليست ضعفًا، وأن الأسرة لا تقوم على السيطرة، بل على المودة والتفاهم.

أما مصطفى، فكلما عاد من عمله، كان يحمل هدية صغيرة لزوجته وابنه، لكنه صار يحمل معها شيئًا أهم بكثير…

الإنصات.

فقد أدرك أن أقرب الناس إليه قد يبتسمون في وجهه، بينما يكون أكثر شخص يحتاجه هو من يطلب النجدة بصوت خافت.

تمت.

3 من 3التالي
تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى