عام

رجعت من غير ميعاد

في اللحظة دي، الدم غلى في عروقي. أنا ضيعت شبابي في الغربة، وكلت عيش بجبنة عشان أوفر قرش، واتحملت قلة القيمة من الغريب عشان أهلي يبقوا ملوك في بيتهم.. وفي الآخر يتحولوا لخدم عند “شوية غجر”؟
عرفت إن أبويا وأمي كدبوا عليا عشان “الستر”، وعشان مايشيلونيش همهم. وعرفت كمان إن في ناس لازم تتحاسب، والحساب مش هيبقى بالزعيق.. الحساب هيبقى “على نار هادية”.

نزلت من العربية، ملامحي كانت زي الحجر. خبطت كلاكيس واحد.. الكل اتجمد في مكانه. بقلم منــي الـسـيد
أمي خرجت تجري، وأول ما شفتني، ملامحها مكنش فيها فرحة.. كان فيها “خوف”. خايفة إن وجودي يزود العذاب عليها.متوفرة علي روايات و اقتباسات
— “أيوة يا فوزية، أيوة يا منى.. أنا جيت.”
فوزية قامت تجري بابتسامة صفرا:
— “يا حبيبتي يا نورا! يا حمد لله على السلامة، ده البيت نور! كنا لسه بنقول يا ريتك كنتي معانا.”

مقالات ذات صلة

ما ردتش عليها، رحت لأبويا بست إيده اللي كانت خشنة ومشروخة من الشغل، أمي اللي ريحتها صابون وكرف وتعب.
— “وحشتوني يا أما..”
— “نورتي بيتك يا بنتي.. نورتي بيتك.”
## الحقيقة المرة في “أوضة الخزين”
دخلت البيت، وكل خطوة كانت بتكشف غدر جديد. صور تخرجي وصورة فرح أبويا وأمي متشالة، ومحطوط مكانها صور لمنى وأمها وهما متزوقين.
قلت هدخل الحمام، بس رحت ناحية الأوضة الكبيرة اللي كنت مخصصاها لأهلي.. لقيتها مليانة فساتين وكريمات وريحة برفان منى، والسرير متبهدل، وكأنها أوىضتها هي.

طلعت برا، رحت لأوضة “الخزين” الصغيرة اللي ورا، اللي كنا بنحط فيها الكراكيب.. زقيت الباب براحة، وانكوي قلبي.متوفرة علي روايات و اقتباسات
“مرتبة” رفيعة على الأرض، غطا قديم، وصوت أبويا وهو بيقول لأمي بصوت واطي: بقلم الكاتبة مني السيد
— “استحملي يا زينب، بلاش نكسر بخاطر نورا لما تسأل.. المهم هي تكون مرتاحة.”
طلعت الموبايل وصورت.. صورت كل حاجة. صورت المرتبة، صورت إيد أمي المشققة، صورت الهدوم المركونة في ركن الأوضة الضلمة.
صورت الوجع اللي خبيته عني سنين.. وقررت إن الليلة دي هتكون آخر ليلة “للطفيليات” دول في بيتي.
**أنا رجعت.. والعدل هو اللي هيتكلم.**

“فتحي” أخويا وصل البيت بالليل، وشه باهت، وكتفه محني من الشيلة.. طول عمره كان الأضعف فينا، اللي بيصالح قبل ما يغلط، واللي فاكر إن السكوت على الظلم “طيبة”. لما شافني، حاول يبتسم، بس كانت ابتسامة مكسورة، طالعة من غلب. بقلم منــي الـسـيد

السفرة اتحطت، وعليها ما لذ وطاب.. فراخ محمرة، وشوربة، وفاكهة، والأكل ريحته تعمّر النفوخ، بس ملوش طعم في بوقي. قعدت وبصيت لمنى وأمها وهما بياكلوا بنهم، وقلت بصوت هادي:
— “أمال فين أبويا وأمي يا فتحي؟”
منى هزت كتفها ببرود:
— “تلاقيهم ورا في المندرة، هما بيحبوا ياكلوا هناك براحتهم، بيقولوا السفرة بتتعب ضهرهم.”
كدب.. كدب عيني عينك. قمت من غير استئذان ورحت “المطبخ الجواني”.. شفتهم. قاعدين على طبلية قديمة، بياكلوا رز أبيض وشوية مية وسلطة، وحتة جبنة قديمة ناشفة، وكأنهم أغراب في بيتهم! أمي حاولت تداري بكسوف، وأبويا بص في الأرض.

رجعت الصالة، والنار بتاكل في صدري. قعدت وبصيت لـ “فوزية” وهي بتمصمص عضمة فرخة، ولـ “منى” وهي بتمضغ بدلع.. وبصيت لفتحي اللي باصص في طبقه ومش قادر يرفع عينه في عيني… متوفرة علي روايات و اقتباسات قلت والسم في صوتي:
— “سبحان الله! الأكل بيبقى طعمه حلو قوي لما الواحد بياكله من غير تعب ولا شىقا، مش كده يا منى؟”
الكل سكت، وفوزية شردت بلقمتها، ومحدش نطق بحرف.. كنت عايزة البداية

تبقى كده، “هس هس” قبل العاصفة.
## الغدر في الأرض.. “شىقى العمر” بيتسىرقى تاني يوم الفجر، قبل ما الديك يذن، سمعت حركة.. بصيت من ورا الستارة، شفت أبويا وأمي طالعين على الغيط. أبويا شايل الفأس، وأمي شايلة قلة المية وكيس فيه لقمة ناشفة.. ماشيين زي المسىاجىين اللي رايحين الأشغال الشىاقة.
لبست هدومي وحصلتهم من غير ما يحسوا. شفت أبويا وهو بيوطي يقلع الحشيش، وضهره بيطقطق مع كل دبة فأس.. شفت أمي وهي بتلم المحصول بإيد مشققة. الأرض دي أنا اشتريتها عشان أبويا يبقى “باشا” يمشّر فيها، مش عشان ينهد حيله كأنه أجير!

تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى