
ـ ألو.. ألو يا حبيبتي في إيه؟ مالك بتعيطي ليه كدا؟ إيه الفيديو اللي أمي بعتته دا؟ أنا مش فاهم حاجة!
أول ما سمعت صوته الحنين، انفجرت في العياط أكتر، ومبقيتش قادرة أتمالك نفسي، بقيت أتكلم وأنا بنهار وكل كلمة بتطلع مني مكسورة وموجوعة:
-
سر الغرفة المظلمة ل الهواريمنذ يوم واحد
-
ثلاث توائممنذ يوم واحد
-
ثلاث توائممنذ يوم واحد
ـ بهجت.. أمك كسرتني.. أمك فضحتني وقدام مين؟ قدام أهلي! بهجت أنا مأكلتش فلوسك في الحرام، أنا معملتش حاجة غلط.. دول أهلي، أهلي يا بهجت! دخلت عليا وفاتحة الكاميرا وبتصور كأنها مسكاني في مصيبة، وطردتهم من البيت! بابا مشي ودموعه على خده وهو راجل كبير.. حرام عليها اللي عملته فيا وفي أهلي!
كنت بحكي والشهقات بتقطع نفسي، وحاسة بمرارة في حلقي من كتر القهر والظلم. بهجت سكت لثواني، كنت سامعة تنهيدته العالية من ورا الشاشة، تنهيدة واحد مصدوم من اللي سمعه واللي شافه في الفيديو.
لقيته بيتكلم بنبرة كلها حنية وأسف، وبدأ يهديني بكلامه:
ـ اهدى يا حبيبتي.. اهدى عشان خاطري وامسحي دموعك، أنا عارفك وعارف أصلك كويس، وعارف إنك متعمليش العيب أبداً. أنا أسف بالنيابة عنها، حقك عليا أنا، وحق أهلك على راسي من فوق.. متعيطيش وتقطعي في قلبي بالشكل دا.
كلامه هدا ناري شوية، بس كسرة أهلي كانت لسه وجعاني، قولتله بصوت مبحوح:
ـ بس أهلي مشيوا مكسورين يا بهجت.. مشيوا بسببي.
رد عليا وصوته اتغير وبقى حازم وفيه ضيق شديد من تصرف أمه:
ـ أهلك أهلي، وكرامتهم من كرامتي، ومحدش عاش أو كان يكسرهم في بيتي. اهدى أنتِ ديلوقتي واقفي السيرة دي خالص، وأنا ليه كلام تاني مع أمي.. كلام تاني خالص هعرفها فيه إزاي تدخل بيوت الناس وتحترم غيبتي. اقفلي ديلوقتي وادخلي ارتاحي، وأنا هحل الموضوع دا بنفسي
قفل بهجت معايا، وحسيت بنار قهرتي بدأت تهدأ شوية لما لقيت جوزي في ضهري ومصدقني، بس جوه بيت حماتي، التليفون مالحقش يسكت.. رن بغضب وصوت رناته كان بيهز الحيطة.
حماتي أول ما شافت اسم ابنه منور على الشاشة، ضحكت بانتصار وقالت في سرها: “أهو شاف الفيديو وهيطلقها ديلوقتي ويرميها في الشارع”. فتحت الخط بلهفة وصوت كله مسكنة مصطنعة:
ـ ألو.. ألو يا حبيبي يا بهجت، شوفت؟ شوفت عمايل الهانم في غيابك؟ شوفت شقاك بيروح فين يا ضنايا؟
ما لحقتش تكمل كلامها، وصوت بهجت طلع من السماعة زي الرعد، حازم ومكتوم من كتر العصبية:
ـ إيه اللي أنتِ عملتيه ده يا أمي؟! إيه التصرف اللي يفضح ويصغّر دا؟! بتدخلي بيتي من غير إذن وتصوري وتطردي الناس من على أكلهم؟!
حماتي اتصدمت من نبرته، ووشها اتخطف وقالت بلجلجة:
ـ يا ابني أنا بوعّيك.. دي بتصرف فلوسك يمين وشمال و…
قاطعها بهجت بصوت كله حرقة وعتاب:
ـ بتوعيني لإيه؟! مراتي بنت حلال وصاينة العشرة، ومتحملة غربتي وقرفي وشقايا لوحدها بقالها سنين، وعمرها ما اشتكت ولا طلبت زيادة! فلوسي إيه اللي بتتكلمي عليها؟ دي لقمة بتاكلها مع أهلها في بيتها!
سكت ثانية يتنفس بعصبية، وكمل بصوت لانت فيه نبرة خجل وقهر وهو بيفتكر الأيام الصعبة:
ـ أهل مراتي دول يا أمي، قبل ما أسافر والديون راكباني، هما اللي وقفوا جمبي! نسيتي لما كنت محتار ومش لاقي تمن التذكرة ومصاريف السفر ومحدش رضي يسلفني؟ حمايا الراجل الطيب اللي طردتيه من بيتي دا، يوم ما جيت أسافر، خدني على جنب وطلع ظرف فلوس من جيبه واداهولي في ايدى ، وقالي “دا خليه في جيبك لعوزة الغربة يا ابني وأنا بنتي في عنيا .. تبقى دي جزاتهم؟! نطردهم من بيتي ونكسر عينه وعين ولاده بالشكل دا؟!
حماتي قعدت على الكنبة والذهول واكل وشها، ومبقتش عارفة تنطق ولا تدافع عن نفسها بعد ما جوزها جاب تاريخهم كله في ثانية.
قفل بهجت السكة مع أمه، وقعد يفرك في إيده وعقله مش مبطل تفكير.. كان حاسس بنار قايدة في صدره، وخجلان من نفسه ومن اللي عملته أمه في الناس اللي أكرموه. مكانش ينفع يستنى ثانية واحدة من غير ما يداوي جرح مراته ويرد اعتبار أهلها.
مسك التليفون وتاني ورن على مراته، أول ما فتحت الخط والشهقة لسه في صوتها، قالها بنبرة حاسمة وكلها رجولة:







