عام

بعد ما أبويا

4

بعد ما ابوه

يومين، واتصل شريف وداليا عشان يطلبوا منه يجي لهم في مكتب شريف في وسط القاهرة. قالوا له عايزين نكلمك في موضوع البيانو، يمكن لقيت فيه حاجة غريبة؟ كأنهم شكوا في إن أبوه خبّى حاجة. آدم وافق، وراح ومعاه نسخ من الأوراق والاعتراف، وأصل كل حاجة محفوظة عنده في مكان أمين.

لما دخل المكتب، شريف كان قاعد ورا مكتبه الفخم، وداليا قاعدة جنبه، وكلهم بيبصوا عليه باحتقار كالعادة. شريف قال بلهجة آمرة البيانو ده فيه حاجة لينا، أبوه كان خبيّ فيه أوراق مهمة. خده معاك وما تقدرش تبيعه، فإحنا نعطيك مبلغ محترم وتسلمه لنا. داليا قالت يعني إحنا أخوك وأختك، مش هنضيعك. البيانو ده مش نافعك، وهنعملك خير وناخده منك.

آدم وقف ساكت شوية، وبعدين طلع الورقة من جيبه وحطها على المكتب قدامهم بصوت هادئ قال أيوه، لقيت حاجة. لقيت اعترافكم إنكم سمّيتوا أبوكم.

ولقيت تقارير طبية تثبت إن ما ماتش بمرض زهايمر. ولقيت كمان إن كل اللي خدتموه ما هو إلا ديون وهلاك، والثروة الحقيقية اللي كنتم بتدوروا عليها سلمها لي أبوكم عشان أنصفه وأرد الحق.

وشوف اللي حصل بعد كده شريف قام من مكانه مصډوم، لونه اتغير، داليا قامت تقول كڈب! ده كڈب ومش خطنا! لكن صوتها كان بيتعشّى. آدم كمل وهو بيبص لهم بثبات أبوك كان عايز يعرف مين فيكم كان السبب. الحقيقة إنكم الاتفاقتم معًا. شريف طمع في الشركات، داليا خاڤت تفضل من غير حاجة لو أبوه عدّل الوصية، فاتفقتم على التخلص منه ببطء. ما خفتموش ربنا؟ هو اللي رباكم وفتح عليكم، وآخرته كانت مع واحد بس أنا اللي ما طمعتش في شيء.

سكتوا، وما حدش قدر يتكلم. آدم كمل الديون اللي خدتموها بالمليارات، أنا أقدر أسددها من حقي. لكن مش مجانًا. اللي عملتموه ، والورقة دي كفيلة

تسجنكم سنين طويلة. لكني مش هوديكم السچن. عشان خاطر أبونا اللي كان بيحبكم، سأعطيكم فرصة. تتنازلوا عن كل اللي خدتموه مقابل أني أسدد الديون وتبقوا في أمان. وأبقى أنا اللي أدير كل شيء زي ما كان أبونا عايز. وتبقوا تعرفوا إن الخير ما بيبقاش إلا للي بيصون العهد ويحفظ الوصية. والفلوس ما تخلّي حد سعيد لو جات من طريق حرام.

كلامه دخل في قلوبهم زي السكاكين. شريف انحنى راسه وعيط، داليا وقفت متساقطة وما عرفتش ترد. عرفوا إنهم خسروا كل شيء طمعهم خلى بينهم وبين رزقهم، وكل اللي عملوه عشان ياخدوا أكتر هو اللي خلى بيهم أقل. وافقوا على كل شروطه، لأنهم عرفوا إنهم لو رفضوا هيدخلوا السچن ويفقدوا كل شيء أصلاً.

ومن يومها، آدم رجع كل شيء لطبيعته. سدد الديون، وعدّل أوضاع الشركات والأراضي، ورد حقوق الناس اللي كان إخواته ظلموهم. وبنى اسم أبوه

من

جديد، وخلّى الناس تتكلم عن العدل مش بس عن الثروة. وظل البيانو المكسور في بيته، ما رماه ولا أصلحه، عشان يبقى ذكرى دائمة إن الحقيقة ممكن تخبّى في أتعس الأماكن، وإن اللي يصون العهد ويصبر بياخد حقه في الآخر. وإن أبوه ما سابله البيانو لأنه فقير، بل لأنه عارف إن آدم هو الوحيد اللي هيفهم إن أغلى ما في الحياة مش ما يتباع بفلوس، بل الثقة والحق والعدل.

وكل ما كان آدم يبص للبيانو، كان بيفتح الدرج السري ويقرا الجواب تاني إلى ابني آدم الوحيد اللي فضل ابني لحد آخر نفس. وبيقول في نفسه أنا هنا يا با. وأنا رديت لك حقك. وارتاح يا روحي، لأن عدالتك ظهرت وما ضاع حقك. وهكذا كملت القصة، واتكملت الحكاية، وظهر للكل إن الحق لو تأخر ما بيموتش، وإن طمع الطامعين هو اللي يخسرهم، وإن الله بيحفظ للي بيصون الود والوصايا مهما طال الزمان ومهما خفي

السر.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى