
### 2. في القسم مع مراتي
ركبت العربية، وأمي وأختي ورايا، الدنيا كانت ساكتة تماماً في العربية، صوت النفس المكتوم هو الوحيد اللي مسموع. أمي كانت لسه بتبرطم وبتقول دي واحدة قليلة الأدب وعاوزة اللي يربيها، ماتخافش يا مراد، ده محضر هيتلم في دقيقة بكلمتين، لكن نبرة صوتها كانت مهزوزة، والمرة دي الخوف كان مالي عيونها هي كمان.
-
دعوة حماتيمنذ 12 ساعة
-
جوزي أدامنذ 13 ساعة
-
بعد سبع سنينمنذ يوم واحد
-
معجزة طفلةمنذ يوم واحد
وصلنا القسم، ريحة المكان كانت تخنق، ريحة خوف على ريحة قهوة على ريحة تحقيق. دخلنا، وأول ما عيني وقعت عليها، قلبي وقع في رجلي. كانت قاعدة على كرسي خشبي، ملامحها هادية بشكل يرعب، كانت بتكلم المحامي بتاعها بهدوء، ولا كأنها الست اللي كانت من ساعتين في الصالة عندي.
أول ما شافتني، بصتلي نظرة.. نظرة تخليك تتمنى الأرض تنشق وتبلعك. مافيش دموع، مافيش استنجاد، كانت نظرة نهاية. أمي حاولت تفتح بوقها وتزعق، بس الظابط قطعها بصوت جهوري: “اسكتوا خالص، هنا قانون مش خناقة حواري.”
قعدنا قدام الظابط، وبدأ التحقيق. كل سؤال كان بيتسأل كان يحطنا في زاوية أضيق من اللي قبلها. التقرير الطبي كان واضح ومفصل، وصف كل الإصابات وأثار اعتداء أيدي أمي وأختي.
واتفاجئت إن أمي وأختي بدأوا يتناقضوا في كلامهم، وأنا.. أنا كنت قاعد مذهول من حالنا. كنا داخلين القسم كأننا أصحاب حق وداخلين نربيها، وخرجنا.. أو بالأحرى، بقينا في وضع المتهمين اللي حياتهم بتتحطم قدام عيونهم.
أنا قاعد باصص للأرض، سامع أمي وهي بتبكي وبتقول للظابط دي مرات ابني، وسامع مراتي وهي بترد بصوت ثابت زي الحديد، ومعاها تقرير يثبت الاعتداء، ومراد.. مراد كان واقف بيتفرج.
في اللحظة دي، عرفت إني ضيعت مش بس كرامتها، ده بيتي، وحياتي، وعيلتي، وحتى رجولتي اللي ضاعت مني وأنا واقف متفرج.
لقتها بصت لأمي وأختي وقالت بمنتهى الجبروت: “عارفين كان سبب الخناقة دي إيه؟”
الجو في المكتب كان تقيل ومكتوم، الظابط كان بيبص لنا باستغراب بعد ما سمع التقرير الطبي، وفجأة كسر الصمت صوتها.. صوت كان هادي لكنه كان أقوى من الرعد.
بصت للظابط، وبعدين نقلت عينيها لأمي وأختي اللي كانوا لسه بيحاولوا يمثلوا دور الناس اللي بتجيب حق ابنهم، وقالت بنبرة فيها مرارة الدنيا: “عايزين تعرفوا سبب الخناقة اللي خلتهم يعتدوا عليا؟ أنا أقولكم.”
سكتت لحظة، كأنها بتجمع قوتها، والكل في المكتب اتسمر مكانه. كملت وهي بتبصلي مباشرة، نظرة خلتني أهرب من عيونها..
خلص التحقيق، والوضع كان أسود من كل الناحية. طلعت من القسم وأنا حاسس إن كل حاجة بتنهار فوق دماغي، والاتهامات بقت محفورة في ملفات القضية. لقيتها واقفة بره على رصيف القسم، لوحدها، بتبص للسما، ملامحها كانت ثابتة بس عيونها بتحكي قصة تانية خالص.
قربت منها بخطوات ثقيلة، حاولت أقول أي حاجة، أي مبرر: “اسمعيني يا يارا..”
قاطعتني قبل ما أكمل، بصتلي ببرود خلاني أتجمد في مكاني، وقالت بصوت واطي وثابت.
—
### 3. العودة للشقة
قعدت حوالي ساعة، وبدأت أسمع كلام الناس اللي حواليا، فجأة لمحت عمي صابر، الراجل اللي بيسكن في العمارة اللي قصادنا، وكان باصص لي بنظرة غريبة.. نظرة مخلوطة بين الشفقة والاحتقار. حسيت بنغزة في قلبي، قمت وقفت وقررت أطلع، يمكن لما أشوفها في البيت الوضع يهدى ونرجع نهدي الأمور.
طلعت السلم، قلبي كان بيدق دقات مش طبيعية، مش خوف، بس إحساس غريب بالذنب بدأ يغزني. فتحت باب الشقة، كانت الشقة ضلمة ومسكتة تماماً. ناديت باسمها، مفيش رد. دخلت الصالة، مكنش فيه غير أثر دموعها على الأرض وشنطة السفر اللي كانت دائماً بتشيل فيها حاجاتها لما تزعل، مكنتش موجودة.
دخلت الأوضة اللي سيبتها فيها، كان السرير فاضي، والدولاب مفتوح ومتاخد منه هدومها.. فجأة وقعت عيني على ورقة محطوطة على الكومودينو، الورقة كانت مبلولة بدموعها، مسكتها وأنا إيدي بترتجف، فتحتها وقريت الكلمتين اللي قلبوا حياتي:
> “أنا كنت فاكرة إني اتيتِمت لما أهلي ماتوا.. بس النهاردة اكتشفت إن اليتم الحقيقي كان إني أتجوز راجل يخلي أهله يهينوني، ويسكت. أنا مشيت، ومش هتشوف وشي غير لما أسترد كرامتي اللي بعتها برخيص عشان عيون أهلك.”
وقفت مكاني، الورقة وقعت من إيدي.. الصوت اللي كنت فاكره قفلة باب الأوضة، طلع قفلة باب حياتي معاها. الشقة اللي كانت مليانة بحسها، فجأة بقت واسعة وكبيرة وموحشة بشكل يجنن. حسيت لأول مرة إني مش بس خسرت مراتي.. أنا خسرت الراجل اللي كان جوايا، والبيت اللي بنيته راح في لحظة غيظ، ودلوقتي مفيش قدامي غير صدى صوتي وأنا بنده عليها في شقة بقت مجرد حيطان صامتة.
كنت لسه بفك كرافتتي وبحاول أطرد تفكيري فيها، لقيت جرس الباب بيرن.. خبطات قوية ومستمرة، مش خبط حد عايز يدخل ببساطة، ده خبط حد جاي ينفذ القانون. فتحت الباب، لقيت أمين شرطة ومعاه عسكري، وملامحهم جادة وتقفل.
أمين الشرطة بصلي من فوق لتحت بنظرة تقشعر البدن، وقبل ما أنطق سألني: “أنت مراد؟”
هزيت راسي بالإيجاب، لسه الكلام واقف في زوري. كمل ببرود وهو بيطلع ورقة من جيبه: “مراتها عملت محضر رسمي في القسم من ساعة، ومعاها تقرير طبي بإصابات واضحة، وقالت إنك كنت موجود وسمحت لأهلك بالاعتداء عليها، ومحرر ضدك أنت ووالدتك وأختك محضر جنائي.”
حسيت الدنيا بتلف بيا، الكلمة خبطت في دماغي كأنها شاقوش. كمل الأمين وهو بيوريني الورقة: “أنا جاي أبلغك بضرورة الحضور للقسم دلوقتي عشان التحقيق، والتقرير الطبي بيثبت تعدي بالضرب، يعني الموضوع مش مجرد خناقة عادية.. دي قضية.”
سكتّ تماماً، الكلمات اتجمدت في حلقي. أمي وأختي اللي كانوا من شوية بيحرضوني، دلوقتي بقوا متهمين في قضية ممكن تودينا كلنا في داهية. بصيت لأمين الشرطة، وبدأت أدرك حجم الكارثة اللي أنا شاركت فيها بسكوتي وبصمتي. لقيت نفسي قدام خيارين: يا إما أواجه اللي عملته، يا إما أشوف بيتي وأهلي بيتهدوا فوق دماغي.
—








