
### 4. النهاية
كان كل السكوت اللي حوالينا بيكلمني. قالت لي يارا بصوتها الثابت: “عارف يا مراد؟ كان ممكن أسامحك في أي حاجة.. إلا إني ألاقيك واقف تتفرج وأنا بنتهان.”
-
دعوة حماتيمنذ 13 ساعة
-
جوزي أدامنذ 14 ساعة
-
بعد سبع سنينمنذ يوم واحد
-
معجزة طفلةمنذ يوم واحد
كلماتها نزلت عليا زي الصاعقة، خلتني مش قادر أرد، مش قادر حتى أداري وشي. كملت وهي بتمشي خطوة بعيد عني: “أنا ما بيني وبينك انتهى كل شيء.”
حاولت ألحقها، مسكت إيدها بقوة وأنا بنطق كلمة واحدة: “مستحيل أطلقك يا يارا، اللي بتعمليه ده جنان، وأنا مش هسمحلك تخرجي من حياتي بالشكل ده.”
بصتلي وسحبت إيدها بكل برود، وقالتلي: “أنا مش بسألك يا مراد، أنا ببلغك.. المحامي بتاعي بدأ في إجراءات الخلع والطلاق، وأي حقوق ليا هاخدها، مش عشان أنا محتاجاها، بس عشان دي حقوقي اللي أنت استرخصتها.”
مشيت وسابتني واقف في نص الشارع، وأنا مذهول من ثباتها وقوتها. الأيام اللي بعدها كانت جحيم، كنت بحاول بكل الطرق أضغط عليها عشان تتراجع، أهلي دخلوا في الموضوع، وسطاء حاولوا يتدخلوا، بس هي كانت حائط سد. كل مكالمة كنت بحاول أعملها كانت بتترد عليا من محاميها: مفيش صلح، والطلبات واضحة للقضاء.
رفعت القضية، وفي كل جلسة كنت بشوفها وهي واقفة قدام القاضي، واثقة، قوية، من غير ما تبص في عيني حتى. قدمت كل الأدلة، التقارير الطبية، وشهادات الشهود.
يوم الحكم، القاضي نطق بكلمته.. طلاق للضرر، مع إلزام بكل الحقوق الشرعية والمادية. خرجت من المحكمة وأنا حاسس إني خسرت كل شيء. هي خرجت من بوابة المحكمة بابتسامة نصر، مش عشان الفلوس، بس عشان استردت كرامتها اللي أنا حاولت أدوس عليها.
رجعت البيت اللي كان يوماً ما بيتنا، لقيته فاضي، صامت، وكأنه شاهد على هزيمتي. أدركت في اللحظة دي إن الرجولة اللي كنت بمارسها بالاستقواء، والبيت اللي كنت فاكره ملكيتي، ضاعوا مني لأن الحقيقة بسيطة جداً: اللي بيغدر ببيته وبمراته، وبيرخص كرامة الإنسانة اللي المفروض يحميها، في الآخر بيبقى هو الخاسر الوحيد.
عدت سنتين.. سنتين كانوا كفيلين يوروني الفرق بين اللي بيبني وبين اللي بيهدم.
في الوقت اللي كنت غرقان فيه في وحدتي، وصلتني أخبار يارا. عرفت إنها اتجوزت راجل قدر قيمتها، راجل عرف يعوضها عن كل لحظة وجع، وعرفت كمان إنها بقت أم.. شفت صورها بالصدفة على السوشيال ميديا، كانت ملامحها منورة بسلام نفسي مكنتش أعرف إنها تمتلكه وهي معايا. كانت ضحكتها في الصور كأنها بتقول للعالم كله إنها قدرت تعدي، وإني بقيت مجرد ذكرى سيئة في صفحة مقطوعة من حياتها.
أما أنا.. فكان حالي يغني عن سؤالي. حاولت أكتر من مرة أبدأ من جديد، أخطب، أتجوز، أدور على حد يملأ مكاني اللي بقى فاضي، بس كل محاولة كانت بتنتهي قبل ما تبدأ. الخبر كان بيسبقني، وسمعتي كانت بتطاردني في كل حتة.
الستات اللي كنت بتقدم لهم كانوا بيعرفوا كل حاجة.. بيعرفوا إني الراجل اللي باع مراته، وبيعرفوا أكتر عن أهلي اللي مش بيسيبوا واحدة في حالها. الخوف من طريقتي ومن عيلتي بقى حاجز بيني وبين أي حد يفكر يقرب مني.
قعدت في شقتي اللي بقت مقبرة للذكريات، لا لقيت اللي تعوضني، ولا لقيت اللي تتقبل تعيش في بيت أهلي بيتحكموا فيه. بقيت لوحدي تماماً، محاصر بجدران البيت اللي شفت فيه نهاية حياتي الزوجية، ومحاصر بندم ملوش آخر.
كل يوم بيفوت بيكدّب وهمي إني كنت الراجل اللي لازم يفرض سيطرته، وبيأكد لي إن كل اللي جنيته هو الحصاد المر لظلمي وغدري.. يارا بقت في حتة تانية خالص، وأنا فضلت في مكاني، سجين للي عملته بإيدي، والبيت اللي كان يوم فيه حياة، مابقاش فيه غير صدى صوتي، وهو بيناديني بلقب “الظالم” اللي استحقيت كل حرف فيه.
**تمت**
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”







