
والغريب إن خلال الأسبوع ده، الراجل اللي كرهته طول عمري بدأ يتحول قدامي من مجرد أبويا اللي سابني لأب فعلًا.
قعدنا بالساعات نتكلم عن السنين اللي ضاعت من عمرنا.
وفي يوم، كارولين وقفتلي في الطرقة وقالت:
إنتِ بقالك ست أيام هنا، وفجأة بابا مبقاش عايز حد جنبه غيرك. إنتِ مستنية إيه بالظبط بعد ما يمشي؟
-
اختفي كريممنذ 18 ساعة
-
بعد أربع بناتمنذ 19 ساعة
-
بنت جدعه لبسمهمنذ 20 ساعة
-
عشان اخويا مريضمنذ يومين
بصيت لها وقلت:
نفس الحاجة اللي أخدتها منه طول عمري… ولا حاجة.
وكنت بتكلم بجد.
لحد اللحظة دي، مكنتش فاهمة ليه أبويا قرر فجأة يدور عليا بعد كل السنين دي.
وفي الليلة دي، أبويا طلب مني أدخل أوضته.
وبعدين شدني لحضنه وقال بصوت واطي:
أنا عارف إنك بتكرهيني… بس قريب هتفهمي كل حاجة.
حاولت أهديه، لكن كلامي ماقدرش يطمنه.
ودي كانت آخر كلمات أبويا قالها ليا.
بعد كام ساعة… .
عدت عليا كأنها حلم.
وكل اللي كنت عايزاه إني ألم حاجتي وأمشي من القصر ده للأبد.
لكن وأنا في أوضتي، دخل نفس المحامي اللي كان جابني للمكان.
ومن نظرة عينه، عرفت إن فيه حاجة غلط.
سألني:
أبوكي طلب منك تفضلي معاه آخر أسبوع في حياته؟
قلت:
أيوه.
قال:
وفضلتي بإرادتك؟
رديت باستغراب:
أيوه… بس ليه بتسأل؟
بصلي بنظرة غريبة، وبعدين قال:
سوسن… إنتِ دخلتي بنفسك في الخطة اللي أبوكي رتبها.
الدم اتجمد في عروقي.
المحامي كمل بصوت واطي:
أبوكي سايب تعليمات محددة جدًا… وكان عارف بالظبط إنتِ هتعملي إيه أول ما تيجي هنا.
وبعدين حط ظرف سميك قدامي على الترابيزة.
وقال:
لأنه دلوقتي… مبقاش من حقك ترفضي اللي أبوكي بدأه.
فتحت الظرف بإيدين بتترعش، لكن قبل ما أخرج الورقة الأولى، المحامي مد إيده وقال:
استني… لازم تعرفي حاجة قبل ما تقري.
رفعت عيني له وقلت:
إيه؟
اتنهد وقال:
أبوكي ماكتبش وصية عادية.
سألته وأنا مش فاهمة:
يعني إيه؟
بص ناحية باب الأوضة، كأنه خايف حد يسمعنا، وقال:
الوصية دي اتكتبت من تلات شهور… وكان فيها اسمك.
اتجمدت مكاني.
من تلات شهور؟! بس هو ماكانش حتى يعرفني وقتها!
المحامي سكت ثواني، وبعدين قال:
كان يعرفك أكتر مما تتخيلي.
فتحت الورقة بسرعة.
أول سطر كان:
إلى ابنتي سوسن… إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فهذا يعني أنني .
حسيت إن نفسي اتقطع.
كملت القراءة:
أول حاجة هتسألي عنها هي ليه رجعت لكِ بعد 34 سنة؟
بلعت ريقي.
والإجابة مش هتعجبك… لأنني لم أبحث عنك لأعطيكِ ما حُرمتِ منه، ولم أستدعكِ إلى بيتي بدافع الندم وحده.
رفعت عيني للمحامي.
هو كان عايز مني إيه؟
قال بهدوء:
كملي.
رجعت للورقة:
يا سوسن… طوال السنوات الماضية، كنت أراقب حياتك من بعيد. كنت أعرف أين عشتِ، ومتى خرجتِ من دار الرعاية، وأين عملتِ… لكن كان هناك سبب منعني من الاقتراب منك.
إيدي بدأت تبرد.
والسبب موجود في هذا القصر.
رفعت رأسي وبصيت حواليا.
القصر.
كارولين.
الموظفين.
الأوضة اللي نمت فيها.
كل حاجة فجأة بقت مخيفة.
المحامي قال:
لسه ماخلصناش.
وقلب الصفحة.
كان فيه سطر واحد مكتوب بخط أبويا:
أول شخص ستثق به سوسن بعد رحيلي… هو الشخص الذي يجب ألا تثق به.
اتسمرت عيني على الجملة.
وقلت:
هو يقصد مين؟
المحامي ما ردش.
وفجأة…
اتسمع صوت خبطة قوية على باب الأوضة.
فتح الباب واحد من العاملين، ووشه كان شاحب.
وقال للمحامي:
أستاذ فؤاد… في مشكلة.
المحامي وقف بسرعة.
إيه اللي حصل؟
الرجل بصلي، وبعدين قال:
الشرطة وصلت.
استغربت:
شرطة؟ ليه؟
لكن قبل ما يرد، ظهر ضابط عند باب الأوضة وقال:
سوسن حسن؟
قلت:
أيوه.
مد إيده بورقة وقال:
حضرتك مطلوب منك تيجي معانا.
قلبي وقع.
ليه؟ أنا عملت إيه؟
الضابط بص للمحامي، ثم رجع بصلي وقال:
إنتِ مطلوبة في قضية اتفتحت من أكتر من عشرين سنة.
اتجمدت.
قضية إيه؟
الضابط قال جملة خلتني أحس إن الأرض اختفت من تحتي:
اختفاء شخص… أبوكي كان آخر واحد شافه.
لكن المحامي فجأة وقف قدام الضابط وقال:
مستحيل تاخدوها قبل ما تشوف الصفحة الأخيرة.
الضابط اتوتر وسأله:
صفحة إيه؟
المحامي فتح الظرف، وأخرج ورقة صغيرة مخبّية بين الصفحات.
وقال:
الصفحة اللي تثبت إن سوسن… مش المتهمة.
وبعدين بصلي وقال:
لكنها الشاهدة الوحيدة اللي ممكن تكشف مين المسؤول الحقيقي.
وقبل ما أفهم أي حاجة…
المحامي حط الورقة قدامي.
وكان عليها اسم واحد فقط.
كارولين.
بصيت للاسم المكتوب على الورقة، وحسيت إن قلبي هيخرج من مكانه.
كارولين؟!
المحامي أشار لي إني أوطي صوتي.
متقوليش اسمها قدام حد.
بصيت للضابط، لقيته واقف مكانه وكأنه مستني يشوف رد فعلي.
قلت:
أنا مش فاهمة حاجة… كارولين أختي.
المحامي رد بسرعة:
أيوه، وده بالضبط اللي هيخلي اللي حصل أصعب.
فجأة سمعت صوت خطوات في الممر.
كارولين ظهرت عند الباب.
كانت هادية بشكل غريب، ووشها مفيهوش أي علامة خوف.
قالت:
إيه اللي بيحصل هنا؟
الضابط بص لها وقال:
لسه التحقيق بدأ.
كارولين ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت:
أكيد حصل سوء تفاهم.
لكن المحامي فتح الورقة قدامها.
أول ما شافت اسمها، وشها اتغير.
ولأول مرة منذ دخلت القصر، شفت القلق الحقيقي في عينيها.
قالت بصوت مرتجف:
إنت لقيتها؟
المحامي رد:
أبوكي هو اللي لقاها… قبل ما يرحل.
كارولين قربت خطوة.
هو قالك إيه؟
المحامي قال:
قال لي إن لو حصل له أي حاجة، لازم أوصل سوسن للحقيقة.
كارولين سكتت.
وبعدين قالت:
أي حقيقة؟
المحامي بص لها طويلًا وقال:
إنتِ أدرى.
وفجأة الضابط طلب من كارولين تفضل مكانها.
أما أنا، فكنت واقفة مش قادرة أستوعب.
كل الأسئلة اللي عشت بيها أربعين سنة بدأت ترجع في دماغي.
ليه أبويا اختفى؟
ليه سابني؟
ليه كان بيراقبني من بعيد؟
وليه استدعاني قبل رحيله بأسبوع واحد بالذات؟
بصيت للمحامي وقلت:
أنا عايزة أعرف كل حاجة.
قال:
هتعرفي… بس مش هنا.
ليه؟
قرب مني وقال بصوت منخفض:
لأن القصر ده متراقب.
اتلفت حواليا بصدمة.
مين بيراقبه؟
قال:
الشخص اللي أبوكي كان قلقان منه.
قبل ما أكمل كلامي، سمعنا صوت زجاج بيتكسر من الدور التاني.
الكل اتجمد.
الضابط سحب جهاز الاتصال وقال:
محدش يتحرك.
بعد ثواني، جري أحد الحراس على السلم.
وبعدها سمعنا صرخة عالية.
جريت ناحية السلم من غير ما أفكر، لكن الضابط وقفني.
ارجعي!
الحارس نزل وهو بيجري، ووشه أبيض.
وقال:
أستاذ فؤاد… المكتب اتفتح!
المحامي اتغير لونه.
مستحيل.
طلعنا كلنا للمكتب.
الباب كان مقفول قبل دقائق.
دلوقتي كان مفتوح.
والأدراج كلها متفتحة.
والأوراق مبعثرة على الأرض.
لكن أغرب حاجة كانت إن الظرف اللي كان معايا اختفى.
بصيت لإيدي.
الصفحة الأخيرة كانت لسه معايا.
لكن باقي الأوراق… اختفت.
كارولين كانت واقفة بعيد، ساكتة.
وفجأة قالت:
يمكن حد دخل وأخدها.
المحامي بص لها وقال:
محدش كان يعرف إن الأوراق دي موجودة.
سكتت.
ثم التفتت ناحيتي وقالت:
إلا شخص واحد.
قلت:
مين؟
كارولين قربت مني، وقالت:
إنتِ.
وقبل ما أرد عليها، الضابط قال:
استنوا…
كان ماسك ظرف صغير لاقاه تحت المكتب.
فتحه.
وأخرج منه صورة قديمة جدًا.
حطها قدام عيني.
بصيت للصورة…
وكان فيها أبويا، وأمي، وأنا طفلة صغيرة.
لكن كان فيه شخص رابع واقف جنبهم.
شخص عمري ما شفته في حياتي.
وعلى ظهر الصورة مكتوب بخط أبويا:
لو سوسن شافت الصورة دي، يبقى الوقت جه تعرف مين الشخص اللي أبعد عنها أبوها 34 سنة.
رفعت عيني للمحامي.
وقلت:
مين الراجل ده؟
المحامي فضل ساكت.
لكن كارولين همست من ورايا:
ده… جدي.
التفت لها بسرعة.
جدك؟! إزاي؟
كارولين بصتلي، وعينيها مليانة دموع.
وقالت:
لأن أبويا عمره ما كان الابن الحقيقي لحسن.
سكت الجميع.
وأنا حسيت إن السر اللي دفنوه 34 سنة… لسه بيبدأ يتكشف.
فضلت باصة لكارولين كأني مستنية منها تضحك وتقول إنها بتهزر.
لكنها ما ضحكتش.
المحامي قفل باب المكتب وقال:
اللي هيتقال هنا مش هيخرج من الأوضة دي.
بصيت له وقلت:
أنا مش فاهمة حاجة. إزاي حسن يبقى مش أبو كارولين الحقيقي؟
كارولين ردت بصوت مكسور:
حسن كان مربيّني… لكن أبويا الحقيقي توفي قبل ما أتولد.
سألتها:
وأبويا كان عارف؟
هزت رأسها.
كان عارف كل حاجة.
المحامي حط الصورة على المكتب وقال:
الصورة دي اتصورت قبل ولادتك بسنة.
بصيت للصورة مرة تانية.
أمي كانت واقفة جنب حسن، والشخص الغريب واقف الناحية التانية.
قلت:
طب الراجل ده مين؟
المحامي قال:
اسمه محمود.
تجمدت.
محمود مين؟
قال:
محمود الراوي… الشريك القديم لحسن.
كارولين شهقت.
هو؟
المحامي أومأ.
أيوه. وهو الشخص اللي اختفى في نفس السنة اللي ابتعدت فيها سوسن عن حياة حسن.
بصيت له بعدم تصديق.
يعني إيه اختفى؟
قال:
محمود اختفى فجأة، وبعدها بأيام حسن سلّم سوسن لدار الرعاية.
اتسعت عيني.
أبويا هو اللي سلّمني؟
المحامي سكت.
وكان السكوت كفاية.
حسيت بغضب شديد.
كارولين قربت مني وقالت:
هو ماكانش قادر يحميكي.
صرخت فيها:
ماكانش قادر؟! أنا كنت طفلة!
لكنها قالت جملة خلتني أسكت:
لأن اللي كان بيهددك… كان أقرب شخص ليكي.
بصيت لها.
مين؟
كارولين بصت للمحامي.
المحامي قال:
الاسم موجود في تسجيل أبوكي.
ثم أخرج جهاز تسجيل صغير من درج المكتب.
ضغط زر التشغيل.
اتسمع صوت أبويا.
صوت ضعيف ومتعب، لكنه واضح:
سوسن… لو بتسمعي كلامي ده، يبقى أنا رحلت.
اتحبست أنفاسي.
أنا عارف إنك هتكرهيني لما تعرفي الحقيقة… ويمكن عمرك ما تسامحيني.
صوته اتقطع لحظة.
ثم كمل:
لكن أنا أبعدتك عني عشان أحميكي.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
كان فيه شخص في عيلتنا مستعد يعمل أي حاجة عشان يوصل لثروة العيلة… وكان شايف إن وجودك خطر على كل اللي بناه.
المحامي وقف التسجيل فجأة.
صرخت:
ليه وقفته؟!
قال:








