
جريت ناحية الصوت، لكن قبل ما أوصل له، ظهر رجل واقف في نهاية الممر ماسك يوسف من كتفه. رفع الضابط الكشاف عليه، وساعتها ظهر وجهه بوضوح… مدير المدرسة حمدي.
قلت: “سيب ابني!”
ابتسم حمدي: “لو كنتِ عايزة ابنك يرجع، هاتي الملف.”
قال الضابط: “إنت محاصر، سيبه فورًا.”
ضحك حمدي: “إنت فاكر إن الملف معاكم؟” ثم بص ليوسف: “قول لهم.”
كان يوسف بيبص لنا بخوف وقال بصوت مرتعش: “الملف مش معاه.”
اتوترة حمدي: “إنت بتقول إيه؟”
كمل يوسف: “آدم ما كانش مخبي الملف في الخزنة.”
شد حمدي على كتفه: “أمال فين؟”
بص يوسف ناحيتي، وفجأة فهمت! الفستان الأحمر… الجيب الصغير اللي كان مخيط من جوه… الشيء اللي أعطاه لي يوسف… الصورة.
قربت من الجيب ولمسته. لكن حمدي لاحظ الحركة وصرخ: “إنتِ! إبعدي إيدك!”
أخرجت الصورة من جيبي، ووقتها يوسف ابتسم لأول مرة وقال: “آدم كان عارف إنهم هيفتشوا كل حاجة إلا الفستان.”
بص حمدي للصورة ثم قال: “هاتيهالي.”
قلت: “لا.”
قرب الضابط خطوة: “انزل إيدك عن الولد.”
بدأ حمدي يتراجع، لكن سامح قال فجأة: “حمدي، انتهى كل شيء.”
بص له حمدي: “إنت ما تعرفش أنا عملت إيه علشان أحمي المدرسة.”
رد سامح: “إنت ما حميتش المدرسة… إنت حميت نفسك.”
سكت حمدي، وكمل سامح: “الولد اللي اختفى من سنين كان هيكشف إنك كنت بتزور ملفات الطلاب وتسرق أموال المنح.”
وش حمدي اتغير، وبص له الضابط: “إيه الكلام ده؟”
قال سامح: “والولد شافك.”
صرخ حمدي: “كفاية!” وفي لحظة غضب، دفع يوسف بعيدًا. اندفع الضابط نحوه وأمسكه.
جري يوسف ناحيتي وحضنته بكل قوتي. كنت بعيط وهو بيقول: “أنا آسف يا ماما.”
قلت له: “إنت أهم من أي حاجة.”
لكن وسط الفوضى، وقعت الصورة من إيدي. لمحها حمدي على الأرض وحاول يمد إيده ناحيتها، لكن الضابط سبقه وأخذها وقلبها. كان خلفها جيب ورقي صغير، فتحه الضابط وخرج منه كارت ذاكرة صغير جدًا.
بص لنا الضابط: “ده هو الملف؟”
هز يوسف راسه: “آدم قال لي لو حصل لي حاجة، خلي ماما هي اللي تسلمه.”
بصيت ليوسف: “ليه أنا؟”
ابتسم وسط دموعه: “لأن آدم كان بيقول إنك الوحيدة اللي عمرك ما هتبيعي الحقيقة مهما كانت تمنها.”
وضع الضابط الكارت في جهازه، واشتغل تسجيل. ظهر آدم على الشاشة، لكن المرة دي ما كانش لوحده، كان واقف قدام شخص آخر ظهرت شخصيته بوضوح… والد يوسف.
سمعت صوت آدم: “أنا عارف إنك خايف يا عمو، بس لازم يوسف يعرف الحقيقة لما يكبر… لأن الولد اللي اختفى من المدرسة مش أخوه.”
سكت آدم لحظة ثم قال: “يوسف نفسه هو الولد اللي اختفى.”
اتجمدت مكاني. بص يوسف لأبوه: “أنا؟”
انهار أبوه على أقرب كرسي وسكت طويلًا، ثم رفع عينه ليوسف وقال: “أيوه.”
رجع يوسف خطوة: “أنا كنت فين كل السنين دي؟”
مسح أبوه دموعه وقال: “كنت فاكر إنك ميت لحد ما رجعت تاني.”
سكت المكان كله. ثم بص لي يوسف: “ماما، إنتِ كنتِ تعرفي؟”
ما قدرتش أرد، لأن الحقيقة كانت أكبر من كل الأسرار اللي اتكشفت؛ أنا كنت أعرف يوسف من طفولته، لكنني لم أكن أعرف أنه كان يعيش باسمٍ غير اسمه الحقيقي. والأخطر من كل ده، أن آدم لم يكن يحاول كشف جريمة حمدي فقط، بل كان يحاول كشف من سرق هوية يوسف وليه رجّعوه لعيلته!
الفصل الثامن
فضلت باصة ليوسف وأنا مش قادرة أصدق اللي سمعته؛ يوسف نفسه هو الطفل اللي اختفى؟ يعني كل الذكريات اللي عشناها مع بعض، وكل صورة، وكل عيد ميلاد، وكل مرة كان بيناديني فيها ماما… ممكن تكون مبنية على سر أكبر من قدرتي على الاستيعاب.
قرب مني يوسف: “ماما، إنتِ كنتِ عارفة؟”
هزيت راسي بسرعة: “والله ما كنت أعرف.”
بص لأبوه: “طب إنت؟”
نزل أبوه عينه: “عرفت الحقيقة من سنتين.”
صرخ يوسف: “من سنتين؟! وإنت ساكت؟!”
قال: “كنت خايف أخسرك للمرة التانية.”
ضحك يوسف بمرارة: “أنا مش فاهم أي حاجة.”
قرب منه سامح وقال: “هتفهم…” ثم أشار إلى الكارت: “بس لازم نكمل التسجيل.”
شغله الضابط من البداية، فظهر آدم مرة تانية وقال: “يوسف، لو بتسمعني، فمعنى كده إنهم ما قدروا يوقفوني.” ثم ظهرت خلفه صورة لطفل صغير، وكان يوسف واقف قدامها مذهول.
آدم قال: “إنت ما اختفيتش لوحدك… حد أخدك من المدرسة، وغيّر اسمك في السجلات، وسلّمك لعيلة تانية.”
شهقت: “عيلة تانية؟!”
كمل آدم: “لكن بعد سنين، الشخص اللي عمل كده رجعك لأبوك الحقيقي.”
بص يوسف لأبوه: “ليه؟”
قال آدم: “لأنهم احتاجوا يستخدموك علشان يغطوا على حاجة حصلت يوم اختفائك.”
توقف الفيديو لحظة، وبعدين ظهر مقطع من كاميرا مراقبة قديمة؛ كان فيه طفل صغير داخل المخزن، ثم ظهر رجل يسحبه من إيده. قرب يوسف من الشاشة وفجأة قال: “أنا فاكره… الراجل ده كان بيلبس ساعة.” بص ناحية أبوه: “نفس الساعة.”
قال أبوه: “أنا كنت بحاول أوصلك.”
رد يوسف: “بس إنت ما وصلتليش.”
كمل الفيديو؛ ظهر الرجل بوضوح وملامحه كانت واضحة جدًا. قرب الضابط من الشاشة: “مين ده؟”
قال سامح: “نائب مدير المدرسة وقتها.”
صرخ حمدي -اللي كان لسه مقيد-: “هو مات من سنين!”
بص له الضابط: “يبقى إزاي ظهرت بصماته في الملف الجديد؟”
سكت حمدي. وفجأة، وصلت رسالة على هاتف الضابط؛ قرأها وملامحه اتغيرت، وقال: “في بلاغ جديد.”
سألته: “إيه؟”
قال: “حد دخل على أرشيف المدرسة وحاول يحرق السجلات القديمة.”
قال يوسف: “الملف رقم 17!”
جرينا كلنا ناحية الخارج، لكن قبل ما نطلع، وقف سامح فجأة وقال: “استنوا.” بص ناحية حمدي: “إنت كنت بتقول إن نائب المدير مات.”
رد حمدي: “أيوه.”
قال سامح: “إذن مين اللي بعتلك الرسالة من رقمه من أسبوع؟”
اتجمد حمدي. قرب منه الضابط: “إنت عندك رقمه؟”
حمدي ما ردش، وفجأة بدأ يضحك ضحكة قصيرة ومرعبة وقال: “إنتوا لسه فاكرين إنكم اكتشفتوا الحقيقة؟” بص ليوسف: “الولد ده مش الضحية الوحيدة.”
سألته: “يعني إيه؟”
قال: “في أطفال تانيين.”
سأله يوسف: “كام؟”
قال حمدي: “سبعة… وآدم كان واحد منهم.”
اتصدمت: “آدم؟!”
هز راسه: “آدم ما كانش بيحقق في القضية علشان يساعدك… كان بيحقق لأنه كان واحد من الأطفال اللي اتاخدوا.”
قال يوسف: “مستحيل، أنا أعرف آدم من وأنا صغير.”
ابتسم حمدي: “وده بالضبط اللي كانوا عايزينك تصدقه.”
في اللحظة دي، وصل صوت من خلفنا: “كفاية يا حمدي.”
التفتنا؛ كان رجل واقف عند باب الجراج، شعره أبيض وملامحه اتغيرت من العمر. بص له يوسف ثواني ثم بدأ يرتعش وقال بصوت ضعيف: “أنا أعرفك.”
ابتسم الرجل: “طبعًا تعرفني.”
همس يوسف: “إنت كنت في الصورة.”
رد الرجل: “وأنا الشخص اللي رجّعك لأبوك.”
اندفع أبوه ناحيته، لكن الضابط أوقفه. قال الرجل بهدوء: “بس في حاجة واحدة محدش قالهالك يا يوسف.”
سأله يوسف: “إيه؟”
بص الرجل لي أنا وقال: “أمك الحقيقية مش هي الست اللي واقفة جنبك.”
واللحظة دي كانت أول مرة أشوف فيها يوسف يبص لي وكأنه لأول مرة في حياته ما يعرفنيش!
الفصل التاسع
الكلمة نزلت عليّ كأنها صفعة: أمك الحقيقية مش هي الست اللي واقفة جنبك.
بص لي يوسف، وكانت عينه مليانة خوف: “ماما؟”
مديت إيدي له: “يوسف، بص لي.” لكنه ما اتحركش.
ابتسم الرجل الغريب: “اسألها عن اسمها الحقيقي.”
صرخ أبوه: “ما تسمعش كلامه!”
رد الرجل: “إنت عارف إني بقول الحقيقة.”
رفع الضابط سلاحه: “إنت ارفع إيديك وتعالى هنا.”
رفع الرجل إيديه ببطء، لكن عينه كانت على يوسف: “أنا مش جاي أؤذيك.”
قال يوسف: “إنت مين؟”
“اسمي فؤاد… وأنا كنت مسؤول عن نقل الأطفال السبعة.”
سأله الضابط: “نقلهم لفين؟”
سكت فؤاد: “مكان بعيد.”
“ليه؟”
“لأن الناس اللي كانوا ورا الموضوع كانوا بيدفعوا فلوس مقابل أطفال بأسماء معينة.”
تراجع يوسف: “أنا كنت واحد منهم؟”
هز فؤاد راسه: “أيوه.”
قلت: “وليه رجعتوه؟”
بص لي: “لأنكِ كنتِ السبب.”
اتصدمت: “أنا؟!”
“أيوه.”
بص ليوسف بسرعة.
كمل فؤاد: “إنتِ الوحيدة اللي فضلتِ تدوري عليه بعد اختفائه، ما بطلتيش سؤال، ولا صدقتي رواية إنه هرب.”
بدأت أفتكر؛ من سنين كنت فعلًا بحاول أبحت عن طفل اختفى من المدرسة، لكن وقتها كنت فاكرة إنها قضية تخص واحدة من قرايبنا. قلت: “أنا كنت بدور على طفل مش ابني.”
ابتسم فؤاد: “لأنهم خلّوا ذاكرتك تصدق كده.”
قال يوسف: “إزاي؟”
أخرج فؤاد ظرفًا قديمًا وقال: “بعد الحادثة، اتعملت أوراق جديدة ليك.” وناولها للضابط.
فتحها الضابط وفجأة قال: “دي شهادة ميلاد مزورة.”
بصيت ليوسف: “يعني إيه؟”
قال فؤاد: “يعني الاسم اللي عاش بيه يوسف طول السنين اللي فاتت مش اسمه الحقيقي.”
كان يوسف بيبكي: “طب اسمي الحقيقي إيه؟”
فتح فؤاد الظرف، وقبل ما يقول الاسم، صرخ أبوه: “كفاية!”
بص له يوسف: “إنت عارف؟”
سكت أبوه.
قرب منه يوسف: “قول اسمي.”
بدأ أبوه يبكي: “اسمك الحقيقي يوسف برضه.”
اتصدم يوسف: “يعني إيه؟”
قال: “أنا أبوك الحقيقي.”
“وإنت كنت عارف من الأول؟”
“أيوه.”
بص يوسف لي: “وأمي؟”
ما ردش أبوه. قال فؤاد: “أمك ماتت بعد اختفاؤك بعامين.”
سكت المكان كله. غمض يوسف عينه، وأنا قربت منه رغم إنه كان متردد، وقلت: “أنا يمكن ما أكونش أمك اللي ولدتِك، لكني عمري ما شوفتك غير ابني.”
بكى يوسف وأخيرًا حضنني. كنت فاكرة إن الحقيقة انتهت هنا، لكن فؤاد قال: “لسه في حاجة.”
التفتنا له، وقال: “آدم ما ماتش علشان الملف.”
سأله الضابط: “أمال مات ليه؟”
بص فؤاد ليوسف: “آدم اكتشف إن الشخص اللي كان بيحمي الأطفال زمان لسه عايش.”
سألته: “مين؟”
قال فؤاد: “الشخص ده هو اللي كان بيقرر مين يختفي ومين يرجع.” ثم أخرج صورة من جيبه؛ صورة قديمة فيها سبعة أطفال، يوسف كان واحدًا منهم وآدم واقف جنبه، لكن في آخر الصورة كان فيه شخص بالغ واقف وراهم.
أخذ يوسف الصورة وبص إليها، وفجأة شهق: “ده…”
قلت: “مين؟”
رفع يوسف عينه وقال: “ده بابا.”
انهار أبوه. لكن قبل ما يوسف يقدر يسأله، وصلت رسالة على موبايل الضابط. قرأها بصوت مرتجف: “تم العثور على سيارة آدم… جواها دليل جديد.”
سأله يوسف: “إيه الدليل؟”
سكت الضابط ثم قال: “تسجيل صوتي لآدم.”
فتح التسجيل، وجاء صوت آدم من الهاتف: “لو التسجيل ده اتسمع، يبقى الشخص اللي قتلني قريب جدًا من يوسف… والشخص ده هو آخر إنسان ممكن يوسف يشك فيه.”
بص يوسف حوالين المكان، وأنا شعرت بقلبى بيقبض، لأننا كنا واقفين وسط خمسة أشخاص، لكن واحد منهم فقط كان يعرف مكان آدم قبل موته. وبطء، بدأت أبص لكل واحد فيهم، ثم توقفت عيني عند شخص واحد… أبوه.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




