
لكن قبل ما تمده لجوزي، الراجل الكبير قال: “استنى.” وبص لجوزي: “الموضوع مش بس ملكية البيت.”
“أمال إيه؟”
الراجل أشار لنجوى: “أمك باعت البيت ده من سنين.”
جوزي اتصدم: “باعته؟!”
نجوى بدأت تهز راسها: “كنت مضطرة!”
“مضطرة ليه؟”
“عشان أسدد الديون.”
الراجل رد: “ديون مين؟”
نجوى سكتت، وجوزي قرب منها: “ديون مين يا أمي؟”
فضلت ساكتة.
وأنا لاحظت إن أمي مشغولة بحاجة تانية وكانت بتبص ناحية باب المسجد.
قلت لها: “ماما، إنتِ مستنية حد تاني؟”
بصتلي وقالت: “أيوه.”
وقبل ما أسألها مين، دخل رجل في منتصف العمر ومعاه حقيبة جلد قديمة. أول ما نجوى شافته حطت إيدها على بوقها وقالت صوت مرتعش: “مش معقول…”
الرجل وقف قدامها وقال: “أنا جيت أرجع حاجة أخدتيها من زمان.”
جوزي بص له: “إنت مين؟”
فتح الرجل الحقيبة وطلع منها دفتر قديم وصور وإيصالات وحطهم على الترابيزة: “أنا كنت شريك والدك في التجارة.”
جوزي قال: “والدي اللي رباني؟”
“أيوه.” ثم بص لنجوى وقال: “والفلوس اللي قلتي إنك دفعتيها لسداد الديون… كانت فلوسه.”
نجوى بدأت تبكي: “أنا ما كنتش عايزة أعمل كده…”
“تعملي إيه؟”
الرجل أخرج ورقة مطوية عليها توقيع نجوى، لكن بجانبه توقيع شخص آخر. جوزي قرب من الورقة وفجأة قال: “التوقيع ده مش توقيع أبويا.”
الرجل هز راسه: “بالضبط.”
سكت الجميع، وقالت أمي: “وعشان كده أنا ما كنتش عايزة بنتي تدخل بيت وهي مش عارفة الحقيقة.”
جوزي بصلي وكانت أول مرة من بداية اليوم يبصلي من غير ما يحاول يبرر لأمه وقال: “أنا آسف.”
ولكن قبل ما أقدر أرد، رن موبايله.
وفضل باصص للمفتاح اللي حطته أمي على الترابيزة وقال: “يعني إيه البيت باسمي من وأنا عندي عشر سنين؟”
أمي ردت: “يعني إن في حد كان بيحاول يوصلك لحقك من سنين، لكن كل مرة كان يظهر حد يمنعه.”
نجوى صرخت: “كفاية بقى! إنتِ عايزة تبوظي جواز ابني؟!”
أمي بصتلها بثبات: “أنا لو كنت عايزة أفسد جواز بنتي، كنت سكت.”
الجملة خلت جوزي يبص لأمي باستغراب: “بنتك؟”
أمي أشارتلي: “أيوه، أنا مش هسمح لها تبدأ حياتها معاك وهي مش عارفة الحقيقة.”
أنا قربت من جوزي وقلت: “أنا مش فارق معايا البيت ولا الورق، أنا بس عايزة أعرف إيه اللي حصل فعلًا.”
نجوى بصتلي ولأول مرة ما كانش في عينيها تحدي، كان فيه خوف. وقالت بصوت منخفض: “إنتِ مش فاهمة.”
رديت: “عشان كده قوليلي.”
سكتت.
الراجل الكبير فتح الملف تاني وقال: “الحكاية بدأت قبل وليدك بسنتين…”
وجوزي قاطع الحديث مترقبًا معرفة باقي خيوط الحقيقة الكاملة ليبدأ حياته على أساس واضح وصحيح.
جوزي بصله.
ابني؟
أيوه. والدك اللي رباك كان داخل في شراكة كبيرة، وكان فيه عقار اتسجل باسمك بشكل قانوني عشان يحميه من نزاع حصل بين الشركاء.
نجوى قاطعته: “ده كلام ناقص.”
عارف.
طلع ورقة تانية.
“وعشان كده دي شهادة المحكمة اللي بتثبت إن الوصاية على العقار كانت عند والدتك لحد ما تبلغ سن الرشد.”
جوزي مسك الورقة. قرأها. وبعدين قال: “طب ليه أنا ما كنتش أعرف؟”
الراجل بص لنجوى.
لأن والدتك باعت جزء من العقار.
جوزي رفع عينه فجأة: “باعت إيه؟”
نجوى بدأت تبكي: “أنا ما كانش قدامي حل.”
أمي قالت: “كان قدامها حل لكنها اختارت أسهل حل.”
جوزي وقف: “ماما إنتِ بعتي حاجة باسمي؟”
نجوى ما ردتش.
“ماما!”
قالت أخيرًا: “جزء صغير.”
الراجل رد: “مش صغير.” وطلع مستند جديد. “وده سبب وجودي هنا.”
جوزي أخد المستند. قرأ القيمة. اتسعت عينه: “المبلغ ده كله?!”
نجوى غطت وشها بإيديها.
أنا بصيت لأمي.
قالت بهدوء: “وفي حاجة تانية أهم.”
جوزي رفع عينه: “إيه؟”
أمي قالت: “الفلوس دي ما راحتش في علاج، ولا ديون، ولا حاجة تخص البيت زي ما نجوى قالت.”
نجوى رفعت رأسها بسرعة: “إنتِ ما تعرفيش الفلوس راحت فين!”
أمي ردت: “بالعكس.” وسكتت لحظة، ثم أخرجت ورقة صغيرة من شنطتها: “أنا عارفة بالضبط.”
جوزي مد إيده: “هاتِها.”
أمي ناولته الورقة. قرأها. وبعد ثواني، رفع عينيه ناحية أمه: “المبلغ ده اتدفع لمين؟”
نجوى ما ردتش.
فجأة، الراجل الكبير قال: “اسألها عن اسم الشخص المكتوب في آخر السطر.”
جوزي رجع للورقة. قرأ الاسم. وفجأة شهق، لأن الاسم كان اسم الشخص اللي وقف معاه طول حياته، وكان بيعتبره أقرب شخص للعيلة.
وفي اللحظة دي، دخل رجل من باب المسجد، وقال بصوت مسموع: “أنا ممكن أشرح كل حاجة.”
نجوى أول ما شافته قالت بانهيار: “إنت وعدتني إنك مش هتظهر!”
الرجل وقف عند باب المسجد، وكل العيون اتوجهت له. جوزي قرب منه خطوة: “إنت كنت متفق مع أمي على إيه؟”
الرجل بص لنجوى، وبعدها قال: “أنا ما كنتش عايز أظهر النهارده لكن لما عرفت إن كتب كتابك هيتم، عرفت إن السكوت بقى خطر.”
نجوى صرخت: “ما تسمعوش! ده بيحاول يلبسني كل حاجة!”
الرجل رد بهدوء: “أنا مش جاي أتهمك.” ثم أخرج فلاشة صغيرة من جيبه: “أنا جاي أوريه الحقيقة.”
جوزي مد إيده: “هات.”
الرجل حط الفلاشة في إيده: “كل حاجة موجودة هنا التحويلات، العقود، والمراسلات.”
نجوى بدأت تتراجع.
أمي قالت: “شغّلها يا ابني.”
جوزي بصلي. أنا هزيت رأسي. فتح موبايله ووصل الفلاشة.
ظهر أول ملف. كان تسجيل صوتي قديم، وصوت نجوى واضح فيه: “أنا مش هاخد فلوسه لنفسي أنا هحافظ على حق ابني بطريقتي.”
جوزي اتجمد. ثم جاء صوت الرجل: “بس لو اتعمل كده، هيبقى مخالف للقانون.”
نجوى في التسجيل قالت: “محدش هيعرف.”
انتهى التسجيل. القاعة كلها سكتت.
جوزي رفع عينه ناحية أمه: “إنتِ كنتِ بتخططي لكل ده من إمتى؟”
نجوى بكت: “من يوم ما أبوك مات.”
جوزي اتصدم: “أبويا مات من سبع سنين!”
“عشان كده.”
“عشان كده إيه؟”
نجوى قربت منه، ومدت إيدها تمسك إيده: “كنت خايفة أخسرك.”
سحب إيده بهدوء: “الخوف مش مبرر إنك تخبي عني حياتي كلها.”
نجوى انهارت على الكرسي. أما أنا فكنت واقفة مش عارفة أعمل إيه.
فجأة الرجل اللي جاب الفلاشة قال: “لسه في ملف واحد.”
جوزي سأله: “إيه هو؟”
“ملف باسم زوجتك.”
أنا اتفاجئت: “أنا?!”
فتح الملف. كان فيه نسخة من عقد قديم، لكن الاسم الموجود فيه ما كانش اسمي، كان اسم بنت تانية مكتوب في خانة الزوجة.
جوزي بص للورقة، ثم بصلي: “أنا أول مرة أشوف الورقة دي.”
أمي قالت: “وأنا عارفة.”
سألتها: “عارفة إيه؟”
قالت: “إن كتب كتابك النهارده كان ممكن ما يتمش أصلًا.”
قلبي وقع: “ليه؟”
أمي بصت ناحية نجوى: “لأن نجوى كانت بتحاول تمنع الجواز قبل ما نروح المسجد.”
جوزي اتلفت لأمه: “إنتِ حاولتي تمنعي جوازي؟”
نجوى سكتت.
أمي كملت: “مش عشان بنتي وحشة لكن عشان كان عندها سبب تاني.”
جوزي قال: “إيه السبب؟”
أمي قربت منه وقالت: “لأنها كانت عايزة تتأكد إنك تتجوز بنتي تحديدًا.”
أنا اتصدمت: “ماما يعني إيه؟”
أمي ما ردتش.
الرجل الكبير هو اللي قال: “لأن والدك قبل وفاته كتب شرطًا واحدًا في وصيته.”
جوزي قال: “إيه هو؟”
الرجل فتح آخر صفحة من الملف. وبمجرد ما قرأ جوزي الشرط، رفع عينيه ناحيتي، وكانت نظراته المرة دي مختلفة تمامًا، وقال: “يعني أمي كانت مستنية الجواز ده يحصل من الأساس؟”
نجوى غمضت عينيها، ولأول مرة ما حاولتش تنكر. جوزي فضل واقف، والورقة في إيده، كأنه خايف يقرأ السطر اللي بعده.
قال: “ماما إيه الشرط؟”
نجوى كانت ساكتة.
الراجل الكبير قال: “الوصية بتقول إن جزء من ممتلكات والدك ينتقل ليك بالكامل بعد زواجك لكن بشرط إن زوجتك تكون هي البنت المذكورة بالاسم في الوصية.”
أنا اتصدمت: “بنت مذكورة بالاسم؟ أنا؟”
أمي هزت راسها: “أيوه.”
جوزي بصلي: “إنتِ كنتِ تعرفي؟”
“والله ما أعرف حاجة.”
أمي تدخلت: “وهي فعلًا ما تعرفش.”
نجوى قامت فجأة: “أنا اللي كنت أعرف.”
جوزي بص لها: “يعني كل اللي عملتگی النهارده كان عشان تضمني إن الجواز يتم؟”
نجوى قالت: “أنا كنت خايفة لو الحقيقة ظهرت قبل كتب الكتاب، كل حاجة تضيع.”
“إيه الحقيقة؟”
نجوى ما ردتش.
الراجل الكبير فتح ظرفًا جديدًا: “الحقيقة موجودة هنا.” أخرج صورة قديمة وناولها لجوزي.
جوزي بص للصورة، وبعدين قربها من عينه، كان فيها والده الراحل واقف قدام بيت قديم وبجانبه أمي!
أنا شهقت: “ماما?!”
جوزي بصلي بسرعة: “أمك كانت تعرف أبويا؟”
أمي أخذت نفسًا طويلًا: “أيوه.”
نجوى قالت بانفعال: “وكانت تعرف كل حاجة!”
أمي ردت: “أنا كنت أعرف جزء من الحقيقة، مش كلها.”
جوزي سأل: “إنتِ ليه ما قولتيليش؟”
أمي بصتله وقالت: “لأن أبوك طلب مني ما أقولش إلا لما ييجي الوقت المناسب.”
“وليه الوقت المناسب هو النهارده؟”
أمي بصتلي: “لأن النهارده بقيت مسؤول عن بنتي.”
سكت جوزي. ثم سأل: “طب ليان علاقة أمي بكل ده؟” – عذراً، “طب إيه علاقة أمي بكل ده؟”
الراجل الكبير قال: “نجوى كانت عارفة إن والدك كتب شرط الزواج ده، وعشان كده حاولت بكل الطرق تخلي الجواز يحصل لكن من غير ما تعرف زوجتك سبب اختيارها.”
أنا رجعت خطوة: “يعني أنا اتجوزت عشان وصية؟”
جوزي رد بسرعة: “لا. أنا اتجوزتك عشانك إنتِ.”




