
لكن أمي قاطعته: “هو يمكن يكون صادق بس السؤال الحقيقي هل كان يعرف إن أمه بتخفي عنه السبب؟”
جوزي سكت. وفجأة نجوى قالت: “أنا كنت هقولك بعد الفرح.”
أمي ابتسمت بحزن: “كنتِ هتقولي له بعد ما كل حاجة تبقى باسمك؟”
جوزي رفع رأسه: “باسمها؟”
أمي فتحت الملف الأخير وقالت: “اقرأ الصفحة الأخيرة.”
جوزي قرأها، وبعد ثواني تغيرت ملامحه تمامًا: “مستحيل.”
قلت له: “مكتوب إيه؟”
بصلي وقال: “الوصية مش بتقول إن الممتلكات هتبقى ليا أنا.” سكت، ثم قال: “مكتوب إنها هتبقى باسم زوجتي.”
نجوى انهارت على الكرسي. وفي اللحظة دي فهمت ليه كانت مصممة إني أتجوز ابنها تحديدًا، لكن لسه ما كنتش أعرف إن السبب اللي خلّى والد جوزي يختارني أنا بالذات كان سرًا أقدم من يوم ولادتي. جوزي قفل الموبايل وبصلي: “مش هتروحي لوحدك.”
أنا هزيت راسي: “أنا أصلًا مش فاهمة إيه اللي بيحصل.”
أمي مسكت إيدي وقالت: “وأنا هاجي معاكي.”
لكن فؤاد تدخل: “لو جينا كلنا، الشخص اللي بعت الرسالة ممكن ما يظهرش.”
جوزي قال: “يبقى أنا وهي وأمي.”
نجوى انتفضت: “أنا?!”
بصلها: “أيوه. لأن واضح إنك عارفة حاجات أكتر مننا.”
نجوى سكتت. وبعد دقائق خرجنا من المسجد، لكن محدش كان حاسس إنه خارج من كتب كتاب.
وصلنا للعنوان. كان بيت قديم في شارع هادي. الباب كان مفتوح. دخلنا.
وأول حاجة لفتت انتباهي كانت صورة كبيرة معلقة على الحائط، صورة لطفلة صغيرة. أنا قربت منها، نفس شكل عيني، نفس الشامة الصغيرة فوق الحاجب. قلت: “دي أنا؟”
أمي ردت بصوت مكسور: “لا.” سكتت لحظة: “دي أختك.”
جوزي بص لأمي: “اسمها إيه؟”
أمي قالت: “ليان.”
فجأة سمعنا صوت من فوق السلم: “أخيرًا جيتوا.”
كلنا لفينا. كانت بنت في أواخر العشرينات واقفة هناك، وأول ما شفتها حسيت إنني ببص لنفسي في المراية، نفس العينين، نفس طريقة الوقوف، حتى صوتها كان قريب من صوتي. نزلت السلم ببطء، وقفت قدامي وقالت: “أنا مش عارفة أقولك أختي أو أقولك إنك السبب في إن حياتي اتدفنت سنين.”
أنا اتجمدت: “أنا؟ أنا عملتلك إيه؟”
ضحكت بحزن: “إنتِ ما عملتيش حاجة.” ثم بصت لأمي: “لكن هي عملت.”
أمي بدأت تبكي. جوزي سأل: “إيه اللي حصل؟”
ليان بصتله: “أبوك وأمي كانوا متفقين إن واحدة فينا بس هتعيش حياة مستقرة.”
نجوى صرخت: “ما تقوليش كلام مش فاهمه!”
ليان ردت: “إنتِ بالذات اسكتي.” وبعدين طلعت ورقة من جيبها وناولتها لجوزي: “دي نسخة من أول اتفاق اتكتب يوم ما اتولدت أنا.”
جوزي فتحها. قرأ سطرين. وبعدين رفع عينه: “مكتوب إن…”
ليان قاطعته: “اقرأ للآخر.”
قرأ. وبصلي. وشه اتغير.
قلت: “مكتوب إيه؟”
ما ردتش.
ليان قالت: “مكتوب إن والدك اختار أختك عشان تكون هي الوريثة.”
أنا شهقت: “طب وأنا؟”
ليان بصتلي: “إنتِ كنتِ المفروض ما تعرف أصلاً إن ليكي أخت.” سكتت لحظة، ثم قالت: “لكن فيه شخص تاني كان عارف.”
جوزي سأل: “مين؟”
ليان رفعت عينها ناحية نجوى: “هي.”
نجوى قالت بسرعة: “أنا كنت بحاول أحمي ابني!”
ليان ردت: “لا إنتِ كنتِ بتحاولي تحمي السر.”
وفجأة، صدر صوت طرق شديد على الباب؛ ثلاث خبطات، ثم خبطتين. ليان بصت للباب ووشها اتغير، وقالت بصوت منخفض: “هو وصل.”
جوزي سأل: “مين؟”
ليان ما ردتش، لكن نجوى بدأت ترتجف، وبعدين قالت جملة خلت الدم يهرب من وشي: “ده الشخص الوحيد اللي يعرف مين أبو ليان الحقيقي.” الباب اتفتح ببطء. دخل راجل كبير في السن، ماسك عصاية، ووشه هادي بشكل غريب. أول ما شافته ليان، رجعت خطوة وقالت: “إنت إيه اللي جابك هنا؟”
الراجل بص لها وقال: “الوقت جه يا بنتي.”
جوزي وقف قدامه: “إنت مين؟”
الراجل رد: “أنا الشخص اللي والدك وصاني أحافظ على السر ده لحد ما أنت تتجوز.”
جوزي اتوتر: “أي سر؟”
الراجل بص لأمي ونجوى: “واضح إن السر خرج من إيد أصحابه.” ثم حط العصاية على الكرسي وأخرج ظرفًا قديمًا وقال: “ده آخر خطاب كتبه والدك قبل وفاته.”
جوزي أخد الظرف، كان مكتوب عليه اسمه. فتح الخطاب، قرأ أول سطر، وبعدين وقف.
قلت له: “اقرأ بصوت عالي.”
هز راسه وقال: “لو أنت بتقرأ الخطاب ده، يبقى أنا ما لحقتش أقولك الحقيقة بنفسي.”
الكل سكت. كمل: “أنت مش وحدك صاحب الحق في اللي تركته.”
جوزي بص ناحية ليان، ثم تابع: “في شخص تاني له حق كامل، لكن تم إخفاؤه عنك وعن الناس.”
ليان دموعها نزلت. الراجل الكبير قال: “كمّل.”
جوزي قرأ: “والسبب إنني أخفيت الأمر لم يكن خوفًا من ابنتي بل خوفًا عليها.”
أنا بصيت لليان. جوزي كمل: “أمها تعرف الحقيقة، لكن لو ظهرت الحقيقة في الوقت الخطأ، ناس كتير هتدفع الثمن.”
نجوى قالت: “كان لازم يفضل ساكت.”
الراجل الكبير رد: “هو سكت عشرين سنة.”
جوزي قلب الصفحة وفجأة قال: “في اسم هنا.”
قربت منه، كان الاسم مكتوب بخط واضح: “عصام.”
جوزي سأل: “مين عصام؟”
نجوى سكتت.
أمي قالت: “أبو ليان.”
ليان بصت لأمي: “يعني إيه؟”
أمي قالت: “يعني الراجل اللي طول عمرك فاكرة إنه مات قبل ما تتولدي كان عايش.”
ليان رجعت خطوة: “إنتِ بتقولي إيه؟”
أمي بدأت تبكي: “عصام ما ماتش.”
الراجل الكبير قال: “وهو اللي كان بيبعت المصاريف لحد ما اتمنع من الوصول ليكم.”
جوزي بص لنجوى: “مين منعه؟”
نجوى ما ردتش.
فؤاد قال من خلفنا: “أنا أعرف.”
الكل لف ناحيته: “نجوى هي اللي طلبت مني أقطع الطريق عليه.”
جوزي اتصدم: “ليه؟”
نجوى انهارت وقالت: “عشان لو رجع كل حاجة كانت هتضيع.”
جوزي قال: “كل حاجة إيه؟”
نجوى رفعت عينيها وقالت: “البيت، الفلوس، والوصية.” ثم سكتت وبصتلي مباشرة: “وأنتِ.”
أنا تجمدت: “أنا؟”
نجوى قالت: “لأن والدك ما اختارش بنتي ولا ابنك…” ثم أشارت إليّ: “…هو اختارك إنتِ بالذات.”
ساد الصمت، لكن قبل ما أسألها ليه، رن جرس الباب مرة تانية. الراجل الكبير اتجه للباب وفتح، وكان واقف قدامه رجل في نفس عمر جوزي تقريبًا. أول ما دخل، ليان صرخت: “بابا!”
جوزي بص للرجل، ثم بص لليان، ثم لأمي. أما نجوى فوقعت على الكرسي وهي بتردد: “عصام.” عصام دخل البيت بخطوات بطيئة. ليان جريت عليه، لكن قبل ما توصل له وقفت فجأة كأنها خايفة تصدق اللي شايفاه، وقالت بصوت مرتعش: “إنت بجد بابا؟”
عصام فتح دراعه: “أيوه يا ليان.”
ليان ارتمت في حضنه وبدأت تبكي. أما أنا فكنت واقفة مكاني مش قادرة أفهم أي حاجة.
جوزي قرب من عصام وبص له طويلًا: “إنت كنت فين كل السنين دي؟”
عصام بص لنجوى: “اسألها.”
جوزي لف ناحية أمه: “ماما؟”
نجوى ما ردتش.
عصام قال: “أنا حاولت أوصل لبناتي أكتر من مرة.”
جوزي اتصدم: “بناتك؟”
عصام بصلي، وأنا حسيت قلبي وقف: “أيوه الاتنين.”
أنا قربت خطوة: “يعني إنت أبويا أنا كمان؟”
أمي غمضت عينيها.
نجوى بدأت تهز راسها بسرعة: “لا لا، الكلام ده مش صحيح.”
عصام قال بهدوء: “أنا ما كنتش عارف إن عندي بنتين.”
جوزي بص لأمي: “إنتِ كنتِ عارفة؟”
أمي بدأت تبكي: “كنت عارفة جزء من الحقيقة.”
صرخت: “جزء إيه؟!”
أمي بصتلي وقالت: “أنا كنت فاكرة إنك بنتي من أب تاني.”
سكتنا جميعًا.
عصام قال: “وده كان اللي نجوى عايزانا نصدقه.”
نجوى قامت فجأة: “كفاية!”
جوزي قال: “لا، مش كفاية.” ثم قرب منها: “أنا النهارده شفتك بتكدبي عليا أكتر من مرة. دلوقتي عايز أعرف الحقيقة كاملة.”
نجوى بدأت تبكي: “كنت خايفة.”
“من إيه؟”
“من إن عصام ياخد بناته.”
عصام رد: “أنا ما كنتش هآخد حد. كنت عايز أعرفهم بس.”
نجوى قالت: “أبوك كان كاتب إن لو البنات عرفوا بعض، الملكية كلها هتنتقل ليهم هما الاتنين.”
جوزي قال: “إيه الملكية؟”
عصام أشار للملف الأسود: “دي كل الممتلكات.” – عذراً، “دي مش كل الممتلكات.” فتح الملف وأخرج خريطة قديمة كانت لخمس أراضٍ وعقارات، وقال: “والدك ما سابش بيت واحد.” ثم نظر إليّ: “ساب إمبراطورية كاملة.”
نجوى همست: “وكان لازم تفضل بعيدة عنها.”
أنا سألت: “ليه؟”
عصام رد: “لأن فيه شخصًا واحدًا كان والدك خايف منه.”
جوزي قال: “مين؟”
عصام سكت، ثم أخرج صورة قديمة من جيبه؛ في الصورة كان والد جوزي واقفًا مع ثلاثة رجال؛ أحدهم عصام، والثاني فؤاد، أما الثالث فكان الرجل اللي دخل المسجد في يوم كتب كتابي وقال إنه شريك والده.
جوزي أخد الصورة وبص للرجل الثالث، ثم قال: “بس الراجل ده مات من سنين.”
عصام هز راسه: “الناس كلها فاكرة كده.”
وفجأة، سمعنا صوت رسالة على موبايل جوزي. فتحها، كانت صورة حديثة جدًا لنفس الرجل، واقفا أمام البيت اللي كنا هنعيش فيه، وتحت الصورة جملة واحدة: “أنا كنت مستنيكم من زمان ودلوقتي بقى عندي سبب أقوى أخليكم تسمعوا الحقيقة.”
جوزي رفع عينه عن الموبايل، وفجأة سمعنا صوت مفتاح بيدخل في باب البيت، حد كان بيفتح الباب من الخارج. المفتاح لف في الباب ببطء. كلنا سكتنا، حتى نجوى اللي كانت من شوية بتصرخ قعدت مكانها من غير ما تحرك.
الباب اتفتح، ودخل نفس الرجل اللي ظهر في الصورة. كان أكبر شوية من الصورة القديمة وشعره أبيض، لكن ملامحه كانت واضحة.
جوزي وقف قدامه وقال: “إنت مين؟”
الرجل رد: “أنا سامح.”
فؤاد قال بسرعة: “سامح مستحيل.”
سامح ابتسم: “أهو أنا.”




