
عصام وقف في مواجهته: “إنت وعدت والدك إنك مش هتقرب منهم.”
سامح رد: “وهو وعدني بحاجة وما وفاش.”
جوزي قال: “كفاية ألغاز. أنا عايز أفهم.”
سامح بص له: “أبوك قبل ما يموت، كان عارف إن أمواله مش هي المشكلة الوحيدة.” فتح حقيبته وطلع منها دفتر حسابات قديم: “المشكلة كانت في الشراكة نفسها.”
جوزي أخد الدفتر، قلب صفحاته، أرقام وتحويلات وتوقيعات، ثم توقف عند صفحة معينة كان فيها اسم نجوى. بص لأمه: “إنتِ كنتِ شريكة في المشروع؟”
نجوى قالت: “أنا كنت مضطرة.”
سامح رد: “ماحدش أجبرك.”
نجوى انفعلت: “أنت ما تعرفش اللي حصل!”
سامح قال: “أنا كنت موجود.” ثم أشار للدفتر: “لكن فيه حاجة أهم.” قلب صفحة: “آخر تحويل مالي تم قبل وفاة والدك بيوم واحد.”
جوزي سأل: “لمَن؟”
سامح قال: “لشخص مجهول.”
فؤاد قرب: “مجهول؟”
سامح هز راسه: “الاسم مكتوب بكود.”
أمي سألت: “ومين كان يعرف الكود؟”
سامح بص لنجوى: “هي.”
نجوى سكتت.
جوزي قال: “ماما افتحي الدفتر.”
نجوى قربت منه، بصت للصفحة ثم قالت: “أنا مش فاكرة.”
سامح ضحك بسخرية خفيفة: “الغريب إنك من عشرين سنة قلتي نفس الجملة.”
جوزي ضرب كف على الترابيزة: “ماما!”
نجوى انتفضت ثم قالت: “أيوه كنت عارفة.”
سكت الجميع. “بس الفلوس ما أخدتهاش لنفسي.”
جوزي سأل: “أمال راحت فين؟”
نجوى بصت ناحيتي. أنا اتوترت: “ما تبصيش لي كده.”
قالت: “الفلوس دي كانت عشان أدفع تمن علاجك.”
أنا استغربت: “علاجي؟ أنا كنت طفلة وقتها!”
نجوى قالت: “كنتِ مريضة.”
أمي قاطعتها: “لا.”
نجوى بصتلها.
أمي قالت: “بنتي ما كانتش مريضة.”
الكل سكت.
جوزي سأل: “طب الفلوس كانت لعلاج مين؟”
نجوى ما ردتش.
سامح قال: “مش علاج.” ثم أخرج ورقة صغيرة كانت مقابل وثيقة.
جوزي أخدها، قرأها، ثم رفع عينه ببطء: “وثيقة إيه؟”
سامح قال: “وثيقة تثبت إن البنت اللي اتربت طول عمرها على إنها بنت أمك…” وسكت ثم نظر إليّ: “…مش بنتها وحدها.”
أنا حسيت الدنيا بتلف بيا: “يعني إيه؟”
أمي بدأت تبكي، وعصام وقف مذهولاً. فضلت ماسكة الصورة وإيدي بتترعش.
قلت: “المكان اللي اتولدت فيه؟”
أمي وشها شحب: “مش هنروح هناك.”
بصيت لها باستغراب: “ليه؟”
نجوى ردت بدلها: “لأن المكان ده اتقفل من سنين.”
سامح قال: “اتقفل رسميًا لكن المبنى لسه موجود.”
جوزي قرب مني: “هنروح.”
أمي مسكت دراعي: “اسمعيني يا بنتي، في حاجات لما تعرفيها مش هتقدري ترجعي تجهليها.”
قلت لها: “أنا طول عمري عايشة بنص حكاية. كفاية.”
سكتت، وبعد لحظات قالت: “طيب هاجي معاكي.”
بعد ساعة، وصلنا لمبنى قديم في آخر المدينة. كان شكله مهجور واللافتة القديمة لسه معلقة فوق الباب. دخلنا، ريحة المكان كانت غريبة كأن الزمن واقف فيه.
سامح أخرج المفتاح اللي كان في الظرف، حطه في باب غرفة صغيرة في آخر الممر. الباب فتح. جوا الغرفة كان فيه دولاب حديد قديم وعليه رقم مكتوب بالقلم 17.
نجوى أول ما شافته قالت: “لا.”
جوزي بص لها: “إنتِ تعرفي الدولاب ده؟”
ما ردتش.
سامح فتحه، كان جواه ملف واحد، وعلى الغلاف: “مواليد يوم 14 مايو.”
قلبي دق بسرعة. أنا بصيت لأمي: “ده يوم ميلادي.”
أمي بدأت تبكي.
فتحت الملف، كان فيه سجل ولادة قديم؛ صفحتين جنب بعض، اسم طفلة واسم طفلة… وبجانب كل اسم رقم.
سامح قال: “اللي حصل يوم ولادتك اتسجل هنا.”
جوزي قرب، قرأ الأسماء ثم توقف: “لحظة…” بص لأمي: “اسم الأم هنا مختلف.”
أمي غمضت عينيها.
قلت: “يعني إيه؟”
سامح قال: “يعني إن اسم الأم المكتوب في السجل الأصلي مش اسم والدتك.”
أنا حسيت إني مش قادرة أتنفس: “طب مين؟”
سامح أشار للاسم. قرأته، وكان نفس الاسم اللي ظهر في الصورة القديمة: “هدى.”
نجوى قالت بصوت مرتعش: “هدى ماتت.”
سامح رد: “ماتت بعد الولادة بأيام.”
جوزي سأل: “والطفلة؟”
سامح قلب الصفحة: “الطفلة اختفت من السجل.”
أنا قربت منه: “اختفت إزاي؟”
“لأن حد شطب اسمها.”
أمي انهارت على الكرسي. وأنا بصيت لها: “ماما إنتِ كنتِ تعرفي هدى؟”
أمي مسحت دموعها وقالت: “أيوه.”
“مين كانت؟”
أمي بصتلي مباشرة: “كانت أختي.”
اتجمدت: “يعني هدى كانت خالتي؟”
أمي هزت راسه: “أيوه.”
جوزي قال: “يبقى إنتِ كنتِ تعرفي إن البنت دي بنت أختك؟”
أمي ما ردتش.
نجوى قالت: “أنا اللي أخدت البنت.”
الكل بص لها.
جوزي صرخ: “إنتِ عملتي إيه؟!”
نجوى بدأت تبكي: “ما خطفتهاش أنا أنقذتها.”
قلت: “أنقذت مين؟”
نجوى بصتلي، ثم قالت: “أختك.” سكتت لحظة وبصت لجوزي: “ليان.”
أنا اتصدمت. ليان كانت واقفة في البيت وأنا طول الوقت فاكرة إنها أختي. لكن نجوى قالت: “ليان مش أختك.”
اتسمرت مكانى. نجوى كملت: “هي البنت اللي اتبدلت معاكي يوم ولادتك.”
وفي اللحظة دي، سمعنا صوت ليان من خلفنا: “يبقى أنا مين؟” المفتاح لف في الباب مرة وبعدين مرة تانية. كلنا سكتنا. جوزي وقف قدامي، وعصام قرب من ليان، وأمي مسكت إيدي. أما نجوى فكانت بتبص للباب وكأنها عارفة بالضبط مين اللي وراه.
الباب اتفتح، ودخل رجل مسن لابس بدلة غامقة وفي إيده حقيبة جلد، بص لنا واحد واحد، ولما عينه وقعت على نجوى قال: “لسه بتخبي؟”
نجوى ردت بصوت ضعيف: “أنا حاولت أصلح كل حاجة.”
الرجل ضحك بسخرية: “إنتِ ما صلحتيش حاجة. إنتِ بس أخرتي الحقيقة.”
جوزي تقدم خطوة: “إنت مين؟”
الرجل قال: “اسمي سامح.” وبعدين أشار للملف الأسود: “وأنا اللي المحامي اللي كتب وصية والدك.” – عذراً، “وأنا كنت المحامي اللي كتب وصية والدك.”
جوزي اتصدم: “إنت؟”
“أيوه.” ثم بص لي: “وأنا اللي استلمت آخر رسالة من والدك قبل وفاته.”
سألته: “كان كاتب إيه؟”
فتح الحقيبة وأخرج ظرفًا أبيض قال لي ما تفتحش الظرف إلا لما بنتي تتجوز ابني. أنا بصيت لجوزي، وهو بصلي.
سامح كمل: “لكن والدك ما كانش يقصد إن الجواز يكون وسيلة للحصول على المال.”
نجوى قالت بسرعة: “هو كان عايز يحميها!”
سامح رد: “كان عايز يحمي الاتنين.” فتح الظرف، كان فيه خطاب قصير قرأ: “لو وصلتك الرسالة دي، يبقى بنتي أصبحت في أمان. لا تسلمها أي ممتلكات قبل أن تعرف الحقيقة كاملة.”
جوزي قال: “بنتك؟”
سامح أشار لي: “أيوه.” ثم أخرج ورقة أخرى: “ودي شهادة تثبت إنك كنتِ مسجلة باسم مختلف وقت ولادتك.”
أنا قربت منه: “ليه؟”
سامح قال: “لأن والدك كان عنده سبب يخاف على حياتك.”
عصام سأله: “من مين؟”
سامح بص ناحية الرجل اللي كان واقف عند الباب: “من الشخص اللي كان بيتابع العيلة من عشرين سنة.”
الرجل الغريب ابتسم: “وأخيرًا قلتها.”
جوزي لف ناحيته: “إنت مين بقى؟”
الرجل دخل خطوة وقال: “أنا أخو والدك.”
الكل اتصدم. نجوى شهقت: “مستحيل.”
الرجل أخرج صورة قديمة: “أنا ما متش.”
جوزي بص للصورة، كان فيها والده واقف بجانب الرجل نفسه وهما أصغر بكثير. الرجل قال: “أبوك أخد مني حقي، وسجل كل حاجة باسمه.”
جوزي رد: “وإنت عايز إيه؟”
الرجل بص لي: “مش عايز فلوس.” سكت لحظة ثم قال: “عايز أعرف مين اللي خان العيلة زمان.”
أمي قالت: “إحنا عارفين.”
الرجل التفت إليها: “إنتِ؟”
أمي هزت راسها: “لا.” ثم أشارت إلى نجوى: “هي.”
نجوى انهارت في البكاء. جوزي قرب منها: “ماما إيه اللي حصل زمان؟”
نجوى رفعت عينيها ولأول مرة قالت: “أنا ما كنتش سبب المشكلة.” سكتت: “أنا كنت الشاهدة الوحيدة عليها.”
سامح سأل: “وشهدتي لمين؟”
نجوى بصت للرجل الغريب ثم قالت: “لأخوه.”
الرجل اتجمد. جوزي بص له. وأنا حسيت إن السر الحقيقي لسه ما ظهرش.
نجوى مسحت دموعها وقالت: “لأن والدك هو اللي زور أول عقد.”
الرجل صرخ: “كذابة!”
لكن سامح فتح حقيبته بهدوء وأخرج أصل العقد وحطه قدام الجميع وقال: “عشان كده جبت الأصل.”
جوزي انحنى فوق الورقة، قرأ التوقيع، ثم رفع رأسه ببطء: “التوقيع ده مش توقيع أبويا.”
سامح قال: “بالضبط.”
وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت ارتطام قوي من خارج البيت. فؤاد جري ناحية الباب، وبعد ثوابي رجع وهو ماسك ظرفًا وقع أمام العتبة، كان مكتوب عليه اسمي أنا.
فتحت الظرف، وكان جواه مفتاح صغير وصورة لبيت قديم وتحتها جملة واحدة: “لو عايزة تعرفي ليه والدك اختارك إنتِ روحي للمكان اللي اتولدتِ فيه.” ليان كانت واقفة عند باب الغرفة ووشها كله دموع، وواضح إنها سمعت آخر جملة. قالت: “يبقى أنا مين؟”
نجوى ما قدرتش ترد. ليان بصت لأمها وبعدين لأمي: “أنا بنت مين؟”
أمي قربت منها لكن ليان رجعت خطوة: “ما تلمسينيش أنا عايزة الحقيقة.”
سامح قال بهدوء: “الحقيقة موجودة في الملف.” فتح السجل على الصفحة الأخيرة، كان فيه اسم الطفلة الأولى وبعده ملاحظة مكتوبة بخط اليد. قرأ: “تم تسليم الطفلة إلى ذويها بتاريخ…” وسكت.
ليان قالت: “مين ذويها؟”
سامح أشار إلى اسمين؛ اسم والدها واسم أمها. ليان حطت إيدها على بوقها: “يعني أمي وأبويا الحقيقيين كانوا عارفين؟”
عصام قرب منها: “أنا ما كنتش أعرف.”
ليان بصت له بصدمة: “يعني إنت فعلًا أبويا؟”
عصام هز راسه: “أيوه.”
ليان بدأت تبكي: “طب ليه ما دورتش عليا؟”
عصام قال: “دورت سنين.” ثم أخرج مجموعة خطابات قديمة: “كل خطاب رجع لي من غير رد.”
نجوى قالت: “لأني كنت بخاف عليك.”
ليان التفتت لها: “إنتِ؟”
نجوى بكت: “كنت عارفة إن في ناس بتدور على الأطفال علشان الورث، وكنت فاكرة إن إخفاء الحقيقة هو الطريقة الوحيدة أحمي بيها الكل.”
جوزي قال: “لكن إنتِ خبيتي الحقيقة عن أختي وعن زوجتي وعنّي.”
نجوى سكتت.
سامح أشار للملف: “وفيه حاجة أخطر.” فتح ورقة قديمة: “التبديل ما حصلش بالصدفة.”
أنا قربت: “يعني إيه؟”
قال: “حد طلب من المستشفى تبديل الملفين.”
جوزي سأل: “مين؟”
سامح حط إصبعه على توقيع أسفل الصفحة: “الشخص ده.”
كلنا قربنا، التوقيع كان واضحًا، وأنا أول ما شفته عرفته. قلت: “ده توقيع أبو جوزي.”
جوزي اتراجع: “بس ليه؟”
سامح قال: “لأنه كان عارف إن واحدة من الطفلتين معرضة للخطر.”
ليان سألَت: “أنا ولا هي؟”
سامح لم يرد، بل فتح الصفحة الأخيرة، وكان فيها سطر واحد فقط: “الطفلة التي تحمل العلامة على كتفها هي التي يجب حمايتها.”
جوزي بصلي ثم قال: “عندك علامة على كتفك؟”
أنا اتجمدت، لأن عندي فعلًا علامة صغيرة من وأنا طفلة.
لكن قبل ما أقدر أرد، نجوى قالت: “أيوه.” ثم بصت لأمي: “وعشان كده أنا أخفيت الحقيقة كل السنين دي.”
وفي اللحظة دي، سمعنا صوت طرق على باب المبنى؛ ثلاث خبطات، ثم صوت رجل من الخارج: “افتحوا أنا جاي آخد البنت اللي عليها العلامة.”
الكل اتجمد. جوزي وقف قدامي فورًا، وعصام مسك إيد ليان، أما نجوى فصرخت: “اقفلوا الباب! هو لقاها!” جوزي قفل الباب بسرعة، وسامح سند الخزانة الحديدية معاه عشان يمنعوا أي محاولة لاقتحام الغرفة، بينما فضلت واقفة وسط الكل وأنا حاسة إن تفاصيل حياتي كلها اللي عشتها متبدلة، وإننا كلنا كنا مجرد أوراق في لعبة طويلة كتبها ناس سبقتنا ومشيوا.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




