
شاوِرت لمالك بإيدي عشان يتنفس بالراحة: “بلاش تشجعني يا شريف.. أنا عندي مريض في البيت بيخف من عملية.”
عيط وصوته بقى فيه كسر: “أنتِ بتعاقبيني أنا على غلطة أمي عملتها!”
”أنت كنت مؤيد جداً للعملية دي، ودافعت عن النصب بتاعها بكل بجاحة.”
”أنا قولت إن عندها وجهة نظر منطقية!”
”أنت قولتلي بلاش دراما! وقولتلي إني مجنونة عشان فارق معايا نظر ابني!”
”أنتِ فعلاً دراماتيكية! وأنتِ بتدمرِي حياتي! أنا عندي 35 سنة!”
”وعلاقة سنك بالموضوع إيه؟”
”كل حاجة! أنا أخوكي الكبير! المفروض العيلة تكون شبكة أمان لبعض!”
”أنا كنت شبكة أمان من حديد بقالي سنة يا شريف، والشبكة قفلت للصيانة.”
”يعني خلاص؟ كدة بساطة؟ عشان معاكي مرتب كويس فاكرة نفسك هتحكمي في حياتنا وتلعبي ربنا؟”
أهو كدة.. الكارت الأخير.
”أنا باخد مرتب كويس يا شريف لأني بشتغل 80 ساعة في الأسبوع وبنام في الملايات بتاعت الفنادق وسفر يهد الحيل. لكن أنت بتاخد المرتب دا حجج وأعذار.”
سكت عن الزعيق.. الصوت بقاش فيه غير أنفاسه العالية.
كملت عليه: “أنا دفعتلك مصاريف أكاديمية الكهربا، وسبتها عشان كان بيمتحنوك في الكهربا. اشتريتلكم مكنة الغسيل بالضغط العالي وشيلتها بعد نص مشوار.”
”سوق الغسيل كان متشبك وفيه تقلبات!”
”عم جابر جيراننا اللي خد منك المكنة بتراب الفلوس مشغلها وزي الفل ومشي الحال مع التقلبات دي!”
”منين جابر دا كمان?!”
”الراجل اللي اشترى منك التقلبات!”
اتنهد بتمثيل وغل: “ماشي! استغلي كل غلطة عملتها من يوم ما اتولدت!”
”مش محتاجة أرجع للطفولة يا شريف.. الفترة المالية اللي فاتت فيها بلاوي تكفي.”
”أنتِ مبسوطة بكدة.. أنتِ بتستمتعي بإحساس السيطرة والقوة دا.”
سكت شوية. الاتهام دا فاجأني. كنت كتير بتخيل اللحظة اللي هقطع فيها الفلوس دي.. وفي خيالي كنت بشوف نفسي منتصرة وقوية.
بس وأنا واقفة في مطبخي، وبصّة لابني التعبان، مكنتش حاسة غير بتعب ووجع في عظمي.
قلتله بصوت واطي: “لا يا شريف.. أنا مش مبسوطة. أنا مكسوفة أوي.. مكسوفة إن الأمر وصل بأمنا تعمل جريمة في حظر وملف ابني الطبي عشان أستوعب أنا قد إيه كنت شريكة في خرابك ودمارك دا.”
شريف سكت فترة طويلة.
لما اتكلم في الآخر، صوته كان صغير ومكسور: “طب.. والورشة بتاعت القاهرة؟ هجيب مصاريفها منين؟”
”انزل دور على شغل.”
”أنا مقدرش أشتغل شغلانة كاملة وفي نفس الوقت أبني كارييري في الستاند أب!”
”في ملايين الناس بيشتغلوا الصبح وبيروحوا بالليل يتنقطوا وميكونوش دمهم خفيف، هتقدر تعمل الاتنين عادي.”
قفل السكة في وشي.
لمدة 10 دقائق، البيت كان واحة من الهدوء.. لحد ما الجروب العائلي بتاع الواتساب — البركان الخامل — انفجر.
أمي كانت عملت استغاثة وكلمت خالتي ماجدة.. وخالتي كلمت خالي حسين.. خالي حسين الراجل اللي كان مجتنب كل دراما العيلة دي من أسبوعين، اتسحب فجأة للميدان.
أمي فتحت الكلام في الجروب:
“داليا قطعت عننا المصاريف تماماً ورمتنا عشان مجرد اختلاف بسيط في موضوع مالك.”
بصيت للكلام.. اختلاف طبي بسيط. يا سلام على اللف والدوران! دي لو كانت دخلت بـ عربيتي في حمام سباحة كانت هتقول عليه “تغيير في موقع الركنة”.
شريف وراها فوراً:
“هي بتحاول تضيع مستقبلي الفني عشان عندها غل وغيره من حريتي وإبداعي.”
خالتي ماجدة كتبت:
“استنوا هنا، هو إيه اللي حصل لعين مالك؟؟ الولد كويس؟”
أمي كتبت بسرعة:
“داليا كانت حاطة مبلغ خيالي في عملية ملهاش لازمة، وأنا كـ جدة خايفة عليه مجرد أبديت رأيي في المصاريف دي.”
كتبت رد طويل عريض.. ومسحته. كتب رد تاني اشد.. ومسحته برضه.
في الآخر كتبت الحقيقة المجردة:
“إجلال اتصلت بمستشفى مالك يوم الأربعاء، وانتحلت شخصيتي، وعدت الأمن، ولغت عمليته اللي بـ 8,400 دولار بعد ما قعدنا 6 شهور على قائمة الانتظار. أنا اكتشفت النصب دا، كلمت الدكتور، ورجعت الميعاد. مالك عمل العملية يوم الخميس وبيتعافى الحمد لله. وبناءً عليه، أنا لغيت التحويل الشهري لـ إجلال، والمصروف الشهري لشريف.”
بعت الرسالة.
الجروب مات.
30 ثانية عدت.. دقيقة.. دقيقتين.
في الآخر خالي حسين كتب:
“لحظة واحدة كدة.. أنتِ كنتِ بتبعتي لـ شريف مصروف؟”
شريف رد فوراً:
“يا خالي حسين دا موضوع تاني خالص برة النقطة!”
خالي حسين كتب:
“الولد عنده 35 سنة يا جماعة!”
غادر شريف الجروب.
ضحكت لدرجة إني جريت في الممر عشان مالك كان بيحاول ينام على الكنبة.
تليفوني رن تاني.. رقم خالي حسين وخالتي ماجدة.
رديت وأنا مستعدة: “ألو يا خالة.”
قالتلي بصوت حاد: “داليا.. هي أمك اتصلت بالمستشفى فعلاً؟”
”أيوة.”
”وانتحلت شخصيتك؟”
”أيوة.”
سكتت مسافة طويلة.. “ليه في حد يعمل كدة يا
لفصل الخامس: دراسة الجدوى
عدى أسبوع كامل من الصمت التام والتوتر.
وفجأة.. تليفوني أعلن عن إشعار من كاميرا الباب.
فتحت البث المباشر على التليفون. أمي كانت واقفة على أعتاب بيتي، ماسكة شنطتها الجلد وكأنها درع بتحمي بيه نفسها. ووراها بشوية كان واقف شريف.
وكان شريف ماسك في إيده فولدر بني (ملف مكتبات).
رؤية الملف دا بالذات بعتت في قلبي موجة قلق حقيقية. التاريخ بيقول إن شريف لما بيظهر ومسك أدوات مكتبية، دا معناه إنه محضر “عرض فكرة مشروع” أو “دراسة جدوى”.. معناه إنه متخيل إنه لقي ثغرة جديدة في الواقع!
فتحت القفل وخرجت وقفت على العتبة، وقغلت الباب الخشب ورايا بصلابة. هوا الخريف كان بيرعش. ما عزمتش عليهم يدخلوا جوة.
أمي بصتلي بزعل وإهانة: “أنتِ بجد هتسبينا واقفين في البرد كده؟ مش عارفين نتكلم كبني آدمين عاقلين؟”
شريف هز رأسه بوقار وهيبيّة مزيفة ومستفزة.
بصيت لشريف، وشاورت على الملف اللي في إيده: “هو مجرد شرائك لملف أوراق خليك كبرت وبقيت راجل عاقل يا شريف؟”
ضم الملف لصدره أكتر: “الطريقة الدفاعية دي هي بالظبط اللي بتكلم عليها يا داليا. أنتِ قافلة أي باب للحوار.”
”إيه اللي جوة الملف دا يا شريف؟”
”دا برنامج عمل شامل ومشروع استثماري.”
”لإيه بالظبط؟”
”لكارييري وللبراند الكوميدي بتاعي.”
بصيتله وأنا مش قادرة أستوعب كمية البجاحة: “أنت عامل دراسة جدوى وملف استثماري.. عشان شغلتك ككوميديان؟”
قال بفتخر: “فيه توقعات مالية وأرباح للـ 3 سنين الجايين.”
بصيت لأمي، وكنت متلهفة إنها تعترف بالجنون دا: “إجلال.. أنتِ سامعة اللي بيقوله؟ هو إزاي حد يحسب أرباح الضحك بمعادلات رياضية؟”
شريف اتعصب: “ممكن تبطلي تريقة وسخرية لمدة 5 دقائق؟”




