
رديت ببرود: “مش قادرة.. لأن واضح كدة إن أنا الوحيدة في العيلة دي اللي بطلع ماتريال ونكت حقيقية.”
أمي غمضت عينها ودلكت جبهتها: “داليا.. أرجوكي.”
”أنا مش هعتذر يا أمي.”
قربت أمي خطوة، وقصت نبرة الهجوم، وصوتها أخد النبرة المكسورة والرجاء الشهير: “داليا.. إحنا بس محتاجين زقة. شهر واحد كمان بس.”
أهو.. الوجه الحقيقي ظهر. مفيش أي ندم على اللي حصل في المستشفى.. ولا حتى سؤال عن صحة مالك. مجرد طلب لمد مهلة الاستغلال 30 يوم كمان.
”شهر عشان إيه؟”
ترجتني: “عشان قسط الشقة.”
”الرد لأ.”
”داليا اسمعيني! شريف والله بدأ يقدم على شغلانات حقيقية وتقليدية.”
بصيت لشريف.. رفع الملف البني في وشي بالتحدي.
”يا أمي دا مش ورق تقديم على شغل بمرتب.. دا مجرد ماكيت وأوهام مكتوب فيها أرقام خيالية.”
شريف دافع عن نفسه: “الملف دا فيه مصادر دخل متعددة!”
”وهل في مصدر واحد من المصادر دي بيجيب جنيه واحد حقيقي دلوقتي يا شريف؟ هل دخل جيبك قرش منهم؟”
أتخرس وما عرفش يرد.
صوت أمي بدأ يترعش، والرعب والهارب بدأ يظهر من تحت قناع التمثيل: “قسط الشقة 45 ألف جنيه، والفواتير والخدمات بتدخل في 15 ألف. معاشي بالعافية بيكفي الأكل والتأمين.. أنا مش هقدر أشيل البيت دا لوحدي!”
”يبقى لازم تغيري المعادلة يا أمي.”
”أغيرها إزاي يعني؟!”
”يعني شريف ينزل يشتغل شيفتات في مخزن ولا شركة شحن، وأنتِ تضغطي مصاريفك.. أو تبيعي الشقة.”
الدم هرب من وش أمي تماماً. بصتلي وكأني اقترحت عليها نولع في البيت عشان ناخد فلوس التأمين!
همست وهي مرعوبة: “أبيع البيت؟”
”أيوة.”
”دا بيتي يا داليا!”
”عارفة.”
”أبوكي الله يرحمه طحن نفسه واشتغل لحد ما مات بدري عشان يدفع ثمن البيت دا!”
”صح، أيوة حصل. ودلوقتي أنتِ طالبة مني أطحن نفسي وأموت بدري زي أبوي عشان أحافظ على متحف أنتِ مش قادرة تدفعي مصاريفه، عشان ابنك الراجل العاطل يقعد يلعب ويجرب أوهامه في البدروم!”
عيطت وقالت: “أنا كده هخسر كل حاجة!”
”مش هتخسري كل حاجة.. أنتِ بس مطلوب منك تدفعي ثمن السقف اللي عايشة تحته، زي بقية البشر والمجتمع.”
شريف قرب خطوة بغضب: “أنتِ معندكيش أي رحمة ولا إحساس! أنتِ مش فاهمة البلد والدنيا برة صعبة إزاي دلوقتي!”
لفيتله وصوتي نزل لنبرة هادية وترعب: “اسمعني كويس أوي يا شريف. أنا بسافر 200 يوم في السنة، بتفاوض على عقود بملايين الجنيهات مع حيتان شركات شايفين إن تقليل حجم الخط في الورق دا خصم. ب do كل دا وأنا بربي طفل لوحدي، وقضيت نص سنة في حرب مع شركات التأمين عشان أنقذ نظر ابني.. وفي وسط كل دا، كنت بنزف عشرات الآلاف كل شهر عشان أأكلك وشربك.. قولي بقى بالظبط، إيه الجزء الصعب في جدول يومك الشاق اللي أنا مش فاهمة ومفتقداه؟”
رمش بعينه وارتكب تماماً: “أنا.. أنا بكتب ماتريال بالليل! وبطلع على المسرح مرتين في الشهر!”
فضلت بصة للملف اللي في إيده ببرود، لحد ما نزله ببطء جنبه، وبقه اتفتح وما عرفش ينطق كلمة.
أمي بدأت تعيط بجد.. عياط هز جسمها كله: “بصي بتهيني أخوكي إزاي يا داليا..”
”هو اللي جاب ملف ألعاب على عتبة بيتي يا أمي، وطالب مني أموله. لو عايز شغلة حقيقية، يتعامل معاها كشغلة حقيقية.”
شريف برطم: “يعني إيه الكلام دا؟”
”يعني تدخل دخل، تقدم خدمة أو تشتغل فتاخد فلوس.. دا مبدأ الاقتصادي البدائي في الدنيا.”
أمي مدت إيدها وهي بترتعش.. المرة دي دموعها دخلت قلبي وكسرت درعي. كرهت نفسي لأنها أثرت عليا. المرة دي مكنتش بتمثل، كانت مرعوبة بجد. الشقة دي كانت كل كينونتها، كانت الحجة الملموسة الوحيدة اللي فاضلة من ريحة أبوي.
فتكرت أيام زمان.. صباح يوم العيد جنب الدفاية في الصالة. افتكرت مالك وهو بيمشي أول خطواته على السجادة هناك. افتكرت أبوي وهو واقف في الجراج، ويده كلها شحم، وبيعلمني بصلابة وصبر إزاي أقيس زيت العربية، بينما شريف قاعد جوة بيتفرج على الكارتون وبيقول إن ريحة الزيت بتبوظ طاقته.
في ضعف خطير بدأ يفرش في صدري.. “شهر واحد كمان بس،” صوت واطي همس في عقلي. “أنا معايا تحويشة.. ممكن أكتب الشيك دلوقتي، وأرحمها من العياط دا.”
دي كانت الغلطة القاتلة في سيستم حياتي.. دايماً كنت بقدر أتحمل “عملية إنقاذ أخيره”.
أمي حسيت باللفتة أو التردد البسيط في نظرتي، رفعت عينها المترملة بالدموع وقالت: “أبوكي لو كان عايش، كان هيتكسف منك ومن اللي بتعمليه فينا دا.”
في ثانية.. السحر انقلب على الساحر. الجيل والضعف اختفوا تماماً، وحل مكانهم صلابة زي الحديد.
رديت وصوتي يرن في الممر: “أبويا.. عمره ما كان هيتصل بمستشفى وينتحل شخصيتي عشان يلغي عملية حفيظه اللي هيتعمى!”
اتخضت ومسحت وشها بسرعة: “أنا اعتذرت عن الموضوع دا! قولتلك كنت بحاول ألحقك وأساعد!”
”لأ يا إجلال.. أنتِ مكنتيش بتحاولي تساعدي، أنتِ كنتي بتحاولي تطلعي صح وخلاص!”
”أنتِ بجد هتهدي العيلة وتضيعينا عشان غلطة واحدة؟”
بصلتها بنظرة مبهمة: “غلطة واحدة؟”
كشرت ووشها اتغير لما فهمت الفخ: “دي مش قصة العجلة والبيتش باج يا داليا..”
مجرد ذكرها لموقف حصل من 22 سنة، أكدلي إنها فاهمة كويس أوي هي عملت إيه وعارفة القصة من زمان.
شريف بص بيننا بذهول: “عجلة إيه؟”
طلعت مني ضحكة ميتة وفاضية: “أكيد مش فاكر يا شريف.. الصدمة والوجع مكنوش بتوعك.”
أمي وقفت وعدلت ظهرها، ووشها تحول لقناع من الكبرياء والمرارة: “داليا.. أرجوكي.”
رديت ببساطة: “لأ.. يعني لأ. أنا مش هعمل عرض بوربوينت، ولا هفتح كشوف حسابات من عشرين سنة، ولا هقعد ألقي خطب عن الحدود الشخصية. أنا قضيت حياتي كلها بقدم أدلة وبراهين لهيئة تحكيم عارفة من الأول إن المتهم مجرم. أنا خلصت.”
أمي بصتلي بلحظة حاسمة، هزت رأسها بالراحة، وأدركت إن البئر جف تماماً وللأبد.
همست: “ماشي..”
لفت ومشيت في الطرقة رايحة ناحية عربيتها.
بس شريف.. فضل واقف مكانة على العتبة!
اتحرك في مكانه وقال: “يعني.. دا معناه إنك مش هتدفعي حتى العربون بتاع ورشة التمثيل بتاعت القاهرة؟”
بصلتله.. النفس اتكتم في صدري لثانية.
أمه ماشية بتعيط في نص المدخل، وبتواجه بيت 30 سنة هيضيع منها، وأخويا الواقف بيسأل هل “منحة الكوميديا” لسه شغال ولا اتلغت!
همست بصوت واطي جداً: “شريف.. اقرأ الموقف اللي إحنا فيه.”
بص حواليه على العتبة الفاضية، واستغرب بجد: “ما إحنا برة البيت أهو!”
رجعت خطوة لورا جوة بيتي، ورزعت الباب الخشب التقيل في وشه.
سندت ظهري على الباب في الهدوء بتاع المدخل. ولمدة خمس دقائق، قعدت أضحك لحد ما بطني وجعتني.. وبعدين جالي شعور بالذنب إني بضحك على انهيار عيلتي.. وبعدها رجعت أضحك تاني من كتر العبث!
الفصل السادس: كشف حساب الحياة




