
وهنا استخدمت سلاحها الأخير.. بدأت تبكي. شهقات وصراخ درامي ومسرحي عبر الهاتف.
في الماضي، كان هذا البكاء يمثل الضرب القاضية لي، فصوت بكائها كان يحرك في داخلي غريزة اندفاعية لإرضائها والاعتذار لها وتطيب خاطرها.
لكن هذه المرة.. لم أشعر بأي شيء. لا شيء على الإطلاق. كل ما تذكرته هو صورة مالك وهو يقف في جراج المستشفى البارد ويسألني بصوت خائف إن كان سيعيش بقية حياته في الظلام.
شهقت من بين دموعها: “أنا كنت بحاول أحميكم أنتوا الاتنين! كنت بحاول أمنعكِ تضيعي الفلوس اللي ممكن نحتاجها!”
”نحتاجها؟ مين ‘نحتاجها’ دي يا أمي؟”
”شريف قدامه فرصة عمره في الكورس دا! وأنا الشقة دي محتاجة مصاريف وصيانة! أنتِ مش ممكن تفضلي ترمي الفلوس كدة وكأنها ملهاش قيمة!”
كدت أن أضحك، ليس بسبب الهزل، بل لأن الواقع أحياناً يتشوه بدرجة تجعل الجهاز العصبي يستجيب بطريقة خاطئة تماماً.
قلت ببطء: “أمي.. أنا بحولكِ 45 ألف جنيه يوم 1 في كل شهر.”
”دا موضوع تاني خالص!”
”وبحول لشريف 15 ألف جنيه كل شهر.”
”هو بيبني مستقبله واسمه!”
”وابني بيحاول يحتفظ بنظره!”
صرخت وفجأة اختفت دموعها تماماً وحل محلها الغل: “هو معاه نظارة!”
أغلقت الخط في وجهها.
وفي أقل من دقيقة، أضاءت الشاشة برقم شريف. أردت، وأنا أنظر للفراغ في المطار.
زعق قائلاً: “أنتِ قولتي إيه لأمي بالظبط؟”
”هي قالت إيه للمستشفى؟”
”يا داليا كبرتي الموضوع ليه! هي انتحلت شخصيتي يا شريف، عملت تزوير عشان تلغي عملية مالك.”
”كانت بتعملكِ خدمة! لغت عملية ملهاش لازمة وضحك عليكم فيها!”
”الولد بيضيع نظره!”
”معاه نظارة يا داليا!”
تنهدت بنفس طويل وحاد.. كان هذا صوت الحبل الأخير وهو ينقطع تماماً تحت الضغط.
تنهد شريف بضيق وقال: “هي عندها حق، أنتِ محتاجة تهدى وبلاش تعملي دراما من كل حاجة.”
وهكذا وُضعت القشة الأخيرة.
أخي صاحب الـ 35 عاماً—الرجل الذي اتصل بأمي باكياً ذات مرة لأن مضخة الهواء الرقمية في بنزينة بد
الفصل الرابع: الفنان الجوعان
بعد 72 ساعة بالظبط، أمي وشريف استلموا الإخطارات الرسمية.
عن طريق إيميل رسمي ومقتضب من البنك، رسالة شركة باردة وواضحة: “إشعار إلغاء: تم إلغاء التحويلات الدورية المجدولة من حساب العميل داليا رمزي بناءً على طلب صاحب الحساب.”
أمي اتصلت بتليفوني الساعة 7:08 الصبح يوم الاثنين بالظبط.
شريف اتصل 7:09 الصبح.
أمي اتصلت تاني 7:10 الصبح.
شريف 7:10 الصبح.
أمي 7:11 الصبح.
لما بصيت على شاشة الموبيل، كان باين إنهم داخلين مسابقة حامية الوطيس تحت عنوان: “من سيجد وظيفة حقيقية أولاً؟”
كنت قاعدة في المطبخ بحرص وأنا بحط لمالك قطرة العين المضادة للالتهاب الخاصة ببعد العملية. العملية بتاعة يوم الخميس نجحت نجاح باهر الحمد لله، رغم أنها كانت مرهقة. مالك كان تعبان جداً وعينه حساسة للغاية للمصادر الضوئية، بس الفريق الطبي كان طاير من الفرحة بالنتيجة.
ماسك الديناصور بتاعه كان مرفوع على أورته.. طبعاً، من باب السخرية المزيفة المعتادة.
التليفون قعد يتهز ويصرخ على الرخامة.
مالك بصل الشاشة بالراحة وهو بيغمض عينه: “هي دي تيتا تاني؟”
”أيوة.”
”وعمو شريف؟”
”أيوة برضه.”
مالك مال برأسه: “هما كويسين؟ يعني.. عافيتهم كويسة؟”
”غالباً أه،” رديت وأنا بحطله القطرة.
في الآخر سحبت الشاشة وقبلت مكالمة أمي السابعة، وحطيت التليفون على السبيكر وسبته على الرخامة.
”ألو يا أمي؟”
حتى مكلفتش نفسها تقول صباح الخير، وصرخت: “أنتِ هببتي إيه في حسابات البنك يا داليا؟!”
”لغيت التحويلات اللي بتطلع من عندي.”
صرخت وصوتها طالع يرجع في السيراميك: “أنتِ لغيتي قسط الشقة بتاعي!”
”لا يا إجلال، أنا لغيت فلوسي أنا. والبنك كان سريع جداً بصراحة.”
”أنتِ مش من حقك تاخدي قرار مالي بالحجم دا من غير ما ترجعي للعيلة!”
بصيت لمالك.. كان يبص للتليفون ومبرق. رجعت بصيت للموبايل: “والله طلع من حقي عادي، والواجهة بتاعة الأبليكيشن سهلة ومريحة أوي بصراحة.”
”يا داليا! قسط الشقة هينزل الثلاثاء الجاي!”
”يبقى أنصحك تلحقي تعملي ميزانية طوارئ من دلوقتي.”
”منين يعجبك؟!” زعقت: “أنتِ عارفة دخلي الثابت كام بالظبط!”
”عارفاه كويس جداً يا أمي، وده السبب الأساسي اللي خلاني بصرف على عيشتكم بقالي أربع سنين.”
”بتصرفي؟ أنتِ بتسمي دعمك لأمك الأرملة ‘صرف’؟ وتيجي كدة بمنتهى القسوة تشيلي إيدك فجأة عشان حركة طفولية وزعلة فارغة؟”
قربت من المايك اكتر: “لا يا أمي، أنا شلت إيدي عشان أنتِ ارتكبتي جريمة انتحال شخصية وتزوير عشان تلغي عملية ابني الطبية، لمجرد إنك تضمني إن الفلوس تفضل جارية في جيبك.”
”أنا فهمتك قبل كدة إن دا كان مجرد سوء تفاهم!”
رديت ببرود ….
4
انا لغيت عملية ابنك 2الاخير
حصري لصفحة روايات رولا
رديت ببرود: “سوء التفاهم دا لما تطلبي قهوة من غير سكر فتجيلك بسكر. لكن أنتِ استغلتي بياناتي الشخصية بكل خسة.. أنتِ كنتِ عارفة بتعملي إيه كويس، وراهنتي إن هضعف وأعديها.. وخسرتي الرهان.”
”أنتِ قاسية أوي يا داليا.. قاسية ومبترحميش!”
رميت كلمتها في وشها زي القنبلة: “أنا مجرد اختارت الخيار الأرخص يا إجلال.”
الخط سكت تماماً.. خيم صمت ميت.
كنت عارفة إني مكنش المفروض أقول الكلمة دي بالذات، بس وأنا بمتع نظري بابني وهو بيرفرف بعينه اللي بتشفي، حسيت إن معنديش أي ذرة ندم.
همست في الآخر: “قصدك إيه بـ الكلمة دي؟”
”أنتِ اللي قلتيها بعظمة لسانك.. قلتي إن 8,400 دولار كتير لأن ‘النظارة أرخص’. وأنا عملت حسبة بسيطة لفلوسي، ولقيت إن المصاريف على اتنين بالغين بصحتهم كدة أظن إنها رفاهية غالية أوي عليا.”
”أخوكي عايش في البيت دا!”
”خبر ممتاز! يعني بيت فيه دخلين.. دا يخفف الحمل شوية.”
”شريف معندوش شغل ولا دخل ثابت دلوقتي يا داليا!”
”دي مشكلة في خطة عمله ونموذج مشروعه بصراحة.”
”دا لسة بيحضر ومحضن كارييره الفني!”
”يبقى كارييره دا يبدأ يصرف عليه بقى ويكتبله شيكات.. مع السلامة يا أمي.”
قفلت السكة.
شريف اتصل بعدها بـ 3 ثواني.رديت فوراً.
زعق في وشي: “أنتِ جرى لعقلك حاجة يا داليا؟ أنتِ اتجننتي؟”
”صباح الخير يا شريف، الكوميديا عاملة إيه معاك؟”
”أنتِ لغيتي تحويل الدعم بتاعي!”
”حصل.”
”دا عربون ورشة القاهرة غير قابل للاسترداد وهيتسحب يوم الاثنين!”
”يبقى أتمنى لك مبيعات تذاكر ممتازة في صالة البولينج الأسبوع دا.”
”الموضوع مش يضحك يا داليا!”
الجملة دي بغيت تموتني من الضحك، مسكت في طرف الرخامة عشان ما أقعش: “يا شريف.. إنك تقول ‘الموضوع مش يضحك’ دي ممكن تكون أدق وأصدق مراجعة نقدية أتقالت على فنك في حياتك كلها.”
قعد يشتم ويسب بعصبية وجنون. مالك، رغم وجع العملية، قعد يضحك لدرجة إنه ماسك جنبه وبيشتكي إن الضحك بيخليه يحس بوجع في القرنية.




