
وقفت وحطيت إيدي على دقني باستهزاء: “أسفة، عندك حق. نسيت بودكاست السياسة. دا يندرج تحت الإعلام الرقمي.”
تنفخ صدره وقال: “السوق كان متشبع!”
”تصبح على خير يا شريف.”
أمي جريت ورايا في الممر ومسكت كوعي عند الباب: “داليا اسمي مني، محدش في البيت دا عايز يضر مالك.”
”عارفة.”
”إحنا بنحب الولد دا.”
”عارفة.”
”أومال بتعامليني كأني اقترحت حاجة وحشة ليه؟”
”عشان أنتِ فعلاً اقترحتي حاجة بشعة.”
”أنا أديت بديل عملي!”
شديت إيدي من مسكتها ولفتلها، والغل اللي مكتوم سنين انفجر: “اسمعيني كويس يا أمي. مفيش انتخابات في العيلة دي، ومفيش تصويت ديمقراطي على صحة ابني. أنتِ مجرد متفرجة.”
وشها اتكمش والعضم أترسم تحت جلدها.. الخط الأحمر دا كان بيجننها. “مش من حقك تتكلمي معايا كأني واحدة من الشارع!”
همست في ودانها: “يبقى بلاش تتصرفي كأنك محصل فواتير مستغل.”
فتحت الباب وخرجت مالك للهوا الساقع بتاع بالليل.
طريق الرجعة للبيت كان مخنوق بصمت تقيل. شاشة العربية كانت رمية ضل على وش مالك. بعد خمس دقائق، اتكلم وصوته بيرتعش:
”ماما؟”
”نعم يا مالك.”
”أنتِ.. أنتِ مش هتغلي العملية صح؟ عشان كورس الكوميديا بتاع أبيه شريف؟”
مسكت دركسيون العربية بصلابة لحد ما عقل إيدي بيضت: “أبداً يا مالك. مستحيل.”
هز رأسه بالراحة وبص من الشباك: “تمام.. الحمد لله.”
سكتنا شوية.
”ماما؟”
”نعم؟”
”نكتة الشوفان بتاعته بايخة أوي بصراحة.”
طلعت مني ضحكة محبوسة ودموعي زغللت في عيني: “بس كانت تموت من الضحك لما أنا كتبت الرسالة دي وأنا في دالاس.”
ابتسم في الضلمة.
دا كان المفروض يكون النهاية الحاسمة للخلاف.. خناقة شديدة، خط أحمر اترسم، وزعل يروح وييجي. بس في عيلتنا، الخط الأحمر دا مكنش إلا مجرد بداية للتحدي.
3
انا لغيت عملية ابنك 1
الفصل الثالث: انتحال الشخصية
طوال الأيام السبعة التالية، شنّت أمي حرباً نفسية شرسة على هاتفي. لم تكن تبعث برسائل غاضبة أو هجومية، فذلك كان سيسهل عليّ حظرها فوراً، بل استغلت نقطة ضعفي وعزفت على وتر “الحنان الأمومي المزيف”.
”هل أخذتِ رأي طبيب آخر لا يفضل الجراحة؟ أنا فقط خائفة عليكما.”
”ما رأيكِ في تأجيل العملية للربيع؟ أنا أفكر في نفسية مالك والضغط الذي يعيشه.”
”لا تغلقي الباب في وجهي يا داليا، أنا لا أتكلم إلا من شدة خوفي وحبي.”
أما شريف، فكان يدخل على الخط بنبرة هجومية ومستفزة:
”أنتِ جعلتِ أمي تبكي ثلاث ساعات الليلة الماضية.. تصرفات غير متزنة.”
”دفع أكثر من 400 ألف جنيه في عملية هو سرقة جهاراً نهاراً، أنتِ يُنصب عليكِ.”
”لا أقول لكِ إلغيها تماماً، أقول فقط لا تركضي نحو غرفة العمليات بهذا الشكل.”
كنا قد انتظرنا ستة أشهر كاملة! ولكن في مفهوم شريف المشوه للوقت، فإن “الركض” يعني تنفيذ أي خطة طويلة الأجل قبل أن يفقد هو شغفه واهتمامه بها. قمت بكتم إشعاراتهما ودفنت نفسي في عملي.
قبل 48 ساعة من موعد عملية مالك، فرضت عليّ ظروف عملي السفر إلى الإسكندرية لمراجعة صفقة موردين عاجلة. كنت أكره ترك مالك قبل الجراحة بوقت قصير، ولكنها كانت رحلة سريعة لا يمكن تأجيلها، لليلة واحدة فقط. كان موعد عودتي الأربعاء ظهراً، والعملية مقررة الخميس الساعة 7:30 صباحاً.
تركت مالك في أمان مع جارتي ونشوى، وهي امرأة فاضلة تعرفه منذ كان في الروضة. في العادة، كانت أمي هي الخيار الأول لرعايته، لكن ذلك الخيار أُلغي وتم شطبه للأبد.
يوم الأربعاء الساعة 2:15 ظهراً، كنت أجلس في كافيه مطار برج العرب في انتظار طائرة العودة، وأحاول البحث عن مخرج كهربائي لشحن هاتفي، حين اهتز الجهاز في يدي.
كان إشعاراً تطبيق المستشفى الخاص بملف المريض.
كدت أن أتجاهله، فقد كنت أكتب إيميل غاضباً لشركة توريد مستلزمات طبية، لكن عيني لمحت عنوان الرسالة:
”تأكيد إلغاء الموعد – تحديث ملف المريض”
خمس ثوانٍ كاملة، توقف فيها عقلي عن الاستيعاب. الضجيج من حولي في المطار، وأصوات النداء الآلي، وحركة المسافرين.. كل ذلك تحول إلى صفير خافت في أذني.
فتحت الإشعار بأصابع ترتعش، ليظهر الملف:
المريض: مالك رمزي.
الموعد: الخميس، 7:30 صباحاً.
الحالة: تم إلغاء الإجراء بناءً على طلب المريض/ولي الأمر.
قمت وقوفاً بقوة لدرجة أن سلك الشاحن انقطع من الجدار وسقط أجهزة اللابتوب على الأرض.
لم أهتم بجمع أشيائي، بل ضغطت فوراً على رقم قسم المواعيد والجراحة بالمستشفى، وقلبي يدق في قفصي الصدري كعصفور محبوس.
ردت الموظفة: “قسم جراحة العيون، مع حضرتك مروة.”
قلت بصوت يحاول التماسك رغم الرعب الذي يخلع قلبي: “أنا داليا رمزي.. أم المريض مالك رمزي. تاريخ ميلاده 14 أغسطس. محتاجة أعرف فوراً ليه عملية القرنية الخاصة بابني أتلغت من السيستم؟”
سمعت صوت نقرات سريعة على الكيبورد، تلتها لحظة صمت قاتلة.
”ثواني بفتح الملف يا أفندم.. تمام، المكتوب عندي إن ولي الأمر اتصل الصبح وطلب إلغاء الموعد.”
”أنا متصلتش نهائي!”
صمتت الموظفة بذهول: “يا أفندم؟”
”أنا بكلمك بجد، أنا متصلتش.”
”يا أستاذة داليا، أنا قدامي على السيستم إن في واحدة اتصلت على الخط المباشر الصبح، وأكدت إنها حضرتك، وادتنا تاريخ ميلاد الطفل بالكامل وعنوان السكن المكتوب في الملف.”
سرى برود مرعب في جسدي كله، من قمة رأسي حتى أطراف قدمي.
”الست دي قالت إيه بالظبط يا أستاذة مروة؟”
”قالت.. قالت إن العيلة اجتمعت وقررت إن النظارة الطبية كفاية، وإنكم مش محتاجين للتدخل الجراحي خلاص.”
لففت حول نفسي في نص صالة المطار وأنا ألتفت حولي بذهول، وكأن أمي قد تخرج لي من خلف إحدى الشاشات وبيدها شريحة هاتف مجهولة.
”ممكن تعرفيني المكالمة دي تمت الساعة كام بالظبط؟”
”السيستم مسجل الساعة 9:14 صباحاً.”
وفي نفس اللحظة التي تتحدث فيها الموظفة، اهتز هاتفي برسالة جديدة. أبعدت الهاتف عن أذني وفتحت الرسائل على مكبر الصوت.
كانت الرسالة من إجلال.. أمي.
”أنا لغيت عملية مالك. أنتِ معميّة بالخوف، والنظارة أرخص وأأمن. بكرة لما تهدى عواطفكِ هتعرفي إني حميتكِ وتيجي تشكريني.”
للحظات، شعرت وكأن الغضب العارم قد يقتلع الروح من الجسد. انكمشت رؤيتي وضاق نفسي.
كانت الموظفة ما زالت تتحدث عبر السبيكر: “أستاذة داليا؟ حضرتك معايا؟ هل عندك أي فكرة مين ممكن يكون وصل للبيانات الخاصة بابنك؟”
حدقت في الرسالة حتى زغللت الحروف أمام عيني.
قلت بصوت غريب لا يشبه صوتي: “أنا عارفة بالظبط مين اللي اتصل يا مروة.. وأقدر أشرحلك كل حاجة.”
كانت أمي تحفظ تاريخ ميلاد مالك، وعنوان منزلنا، وأرقامي الخاصة، وبياناته الطبية الأساسية، لأنه خلال أول عشر سنوات من حياته، كانت تسجل اسمها كولي أمر احتياطي في كل استمارة مدرسية وطبية.
حولتني الموظفة فوراً إلى مدير المواعيد، ومنه إلى مكتب مدير مركز الجراحة نفسه.
وقفت في صالة المطار وأنا أعيد هذه القصة المخزية والمؤلمة ثلاث مرات متتالية أمام مسؤولي المستشفى.
لم يضحك أي منهم، وكنت ممتنة لمهنيتهم، فلولا ثباتهم لكنت انهرت تماماً في وسط المطار.
في النهاية، قالت لي مدير المكاتب الطبية بنبرة حاسمة: “أستاذة داليا، لحسن الحظ إن الموعد المخصص للعملية لم يُمنح لمريض آخر بعد.”
كادت ركبتي أن تخور، فسندت بكف إيدي على الزجاج المطل على مدرج الطائرات: “يعني تقدروا ترجعوا الموعد؟”
”أنا بعدل السيستم دلوقتي.. الموعد رجع. بس إحنا هنحظر أي تعديل على ملف مالك، وهنحط كلمة سر شفاهية، محدش يقدر يغير حاجة إلا بوجود كلمة السر دي وبوجودكِ شخصياً.”
”اعملوها فوراً.. خلي كلمة السر ‘خيانة’.”
”تم التسجيل. وإحنا مجبرين قانوناً نسجل الواقعة دي في ملفه كحالة انتحال شخصية ومحاولة تزوير غير قانونية.”
”اكتبيها بالخط العريض لو سمحتِ.”
بعد عشرين دقيقة، أُغلقت الجراحة وتأكد الموعد مجدداً. جلست على أقرب كرسي بلاستيكي، وحطيت رأسي بين ركبتي، وأنا أحاول التغلب على موجة غثيان شديدة ناجمة عن الصدمة والارتياح في آن واحد.
ثم رفعت رأسي، ومسحت وجهي، وطلبت رقم أمي.
ردت من أول رنة، بصوت مفعم بالنبرة العالية المنتصرة، وكأنها بطلة أنقذت غريقاً للتو.
”أهلاً يا حبيبتي! وصلتِ لرسالتي؟”
”أنتِ عملتِ إيه يا إجلال؟”
ساد الصمت.. لم يكن صمت ذنب، بل صمت إزعاج من شخص يتعامل مع تابع غير شاكر للجميل.
”أوه يا داليا، بلاش النبرة دي! أنتِ اتصلتِ بالمستشفى وانتحلتِ شخصيتي؟ أنا اتصرفت لأنكِ كنتِ رافضة تماماً تسمعي صوت العقل!”
أبعدت الهاتف عن وجهي، ونظرت للشاشة لثوانٍ، ثم أعدته لأذني.
”أنتِ انتحلتِ شخصيتي.. أمام مؤسسة طبية ومستشفى؟”
”أنتِ بتكبري الموضوع وتستخدمي مصطلحات جامدة عشان تبيني الموضوع خيانة!”
”وأنتِ عايزاني أسمي انتحال الشخصية والتزوير الطبي إيه يا أمي؟”
تأففت بصوت عالٍ: “يا شيخة كفاية دراما! أنا لغيت إجراء تجميلي ملوش لازمة ومغالي فيه!”
”دا مش قراركِ! أنتِ معندكيش أي سلطة قانونية ولا أخلاقية على ابني!”
”أنتِ بتتصرّفي بجنون يا داليا! طول الوقت مسافرة وفي طيارات وفي بلد شكل، كان لازم حد عاقل يتدخل ويفكر بوضوح وعقلانية!”
نزلت هذه الجملة عليّ كالصفعة. فهنا ظهرت الحقيقة العارية لكل مشاعر الغل والحسد التي بداخلها.
عملي.. هذا العمل الشاق الذي يدفع أقساط الشقة التي تنام فيها، والعمل الذي يمول “صندوق دعم الفن” الخاص بشريف، العمل الذي يوفر المبالغ التي قررت بمفردها أن مالك لا يستحقها ليعالج عينيه.
فجأة، أصبح سفري المستمر وتدبيري المالي—الذي هو سبب بقائها على قيد الحياة—دليلاً على أنني أم غير مؤهلة وهستيرية ولا أستطيع التفكير بInterop!
قلت بصوت منخفض، وبارد، وقاتل: “أنتِ مش هتتصل بأي جهة طبية تخص مالك تاني أبداً.”
”داليا، بلاش تهدديني.. أنا جدته!”
”أنتِ قريبة بالدم.. مش أمه.”
”أنا اللي ساعدت في تربية الولد دا وأنتِ طايرة في السماء بين المحافظات والبلدان!”
”أنتِ كنتِ بتقعدي معاه وأنا بصرف على حياتكِ كلها يا إجلال. وكنت ممتنة للمساعدة دي، بس دا ميديكمش أي حق قانوني أو طبي عليه.”




