عام

روحت اقدم لابني في المدرسة انچي الخطيب

روحت اقدم لابني في المدرسة الابتدائي، وهناك اكتشفت مصيبة.. اكتشفت إني مش متجوزة اصلاً! واالي عرفته بعد كده كان العن واحىقر الف مره !!!!أنا اسمي “منى”، بنت عادية جداً وطول عمري في حالي. من حوالي سبع سنين، اتعرفت على “طارق”. طارق كان شخص يدخل القلب من أول دقيقة.. هادي، كريم، وبيتكلم بأسلوب يخليكي تحسيه أرجل راجل في الدنيا. ارتحنا لبعض جداً، وحسيت إنه العوض اللي ربنا بعتهولي.

لما جه اتقدم لبابا، جه هو ووالدته بس.. ست طيبة وهادية ولابسة أسود. طارق وقتها قعد مع بابا وقال بأسف: “يا عمي، أنا والدي اتوفى من كام شهر بس، وأنا ماليش إخوات، ومباقيش ليا في الدنيا دي غير أمي.. عشان كده أنا مش قادر أعمل فرح وزيطة احترماً لوفاة ابويا، وإحنا هنعمل كتب كتاب في البيت على ضيق، وآخد منى على شقتنا على طول”.

مقالات ذات صلة

بابا الله يرحمه طيب، وبص للراجل ولقاه شاري وعايز يستر بنته، فوافق وقال: “يا ابني إحنا بنشتري راجل، والمظاهر دي متهمناش”. وبالفعل، جاب المأذون وعملنا كتب الكتاب في صالون بيتنا، ومضيت وبصمت على الدفتر، وخدني على شقته وأنا طايرة من السعادة.

عدت السنين، وجبت ابني “أدم” اللي ملا عليا الدنيا. بس لو رجعت بذاكرتي لورا، هكتشف إن كان فيه علامات كتير أنا غميّت عيني عنها بدافع الحب والثقة.

طول فترة جوازنا، أهلي مشافوش من أهله غير والدته بس، اللي كانت بتيجي تزورنا كل فين وفين وتقعد ساكتة. لما كنت بسأله: “يا طارق، مفيش أي أعمام؟ ولاد عم؟ أي حد من ريحة أبوك؟” كان يتقلب وشه ويقولي: “مقاطعينهم من زمان عشان مشاكل ورث، ريحي نفسك يا منى ومتقلبيش عليا المواجع”. وأنا طبعاً كنت بسكت عشان مضايقوش.

والأغرب من كده؟ كل ما نيجي نطلع ورقة، نجدد بطاقة، أو نعمل شهادة ميلاد لأدم لما اتولد، كان طارق ياخد الأوراق ويقولي: “خليكي أنتِ متبهدليش في الطوابير والمصالح الحكومية، أنا هخلص كل حاجة لوحدي”.. وأنا كنت بشوف ده قمة الحنية والشهامة! كان بيرجع بالشهادة متقفلة ومختومة بالنسر، فكنت بأخدها وأنا مطمنة ومرتاحة ومبروزاها في الدوسيه.

لحد ما جه ميعاد التقديم للمدرسة الابتدائي. التقديم فتح، وأنا بقيت أقوله كل يوم: “يا طارق، ميعاد المدرسة هيروح، يلا بينا نروح نقدم لأدم”.

وكان كل يوم يتحجج بحجة شكل:

”النهاردة عندي تسليم شغل مهم في الشركة”

”بكرة المدير طالبنا في اجتماع”

”استني بس يا منى، هخلص اللي ورايا الأسبوع ده وأنا هروح بنفسي أقدم له وأظبط كل حاجة”.

الأيام بتجري، والتقديم هيقفل، وأنا قلبي أكلني على مستقبل ابني. في يوم الصبح، بعد ما نزل الشغل، قولت لنفسي: “طب وأنا قاعدة مستنية إيه؟ ما أروح أنا أقدم للولد وأفاجئه، وأهو بالمرة أخفف عنه الضغط والشغل اللي هو فيه”.

لبست ولبست أدم، وخدت الدوسيه الكحلي اللي فيه “كل حياتنا” ونزلت.

وصلت المدرسة، ودخلت مكتب التقديم. كانت قاعده موظفه اربعينيه لابسه نظارة طبية، بتبتسم في وش الناس وتاخد الملفات. جه دوري، قعدت على الكرسي وبادلتها الابتسامة وطلعت الأوراق:

“اتفضلي يا فندم، دي أوراق أدم طارق.. شهادة الميلاد، وقسيمة الجواز، وصور البطايق”.

الموظفة خدت الورق، وبدأت تفرز. فجأة، الابتسامة اختفت من على وشها.. ملامحها اتصلبت. مسكت شهادة الميلاد وبقت تبص لها بتركيز غريب، وبعدين جابت قسيمة الجواز وبقت تقلبها يمين وشمال، وترفعها في النور.. وبقت تبصلي بشك مريب ونظرات غامضة خوفتني.

أنا قلقت، قولت لها: “خير يا أستاذة؟ فيه حاجة ناقصة في الورق؟”

الموظفة بلعت ريقها، وبصتلي وحاولت تبتسم بـ “لطف مصطنع” وقالتلي بصوت هادي: “لا أبداً يا مدام.. بس السيستم هنج معايا شوية، هروح أراجع البيانات من الدفتر الرئيسي في المكتب اللي جمبنا.. ارتاحي أنتِ بس واشربي بؤ مية”.

قعدت.. دقيقة.. اتنين.. عشرة.. والوقت بيمر كأنه سنين. أدم بدأ يزهق ويمسك في إيدي، وأنا قلبي بدأ يدق بسرعة من غير سبب. ليه غابت كل ده؟

وفجأة.. الباب اتفتح. بس مش الموظفة اللي دخلت لوحدها.

دخل راجل طويل، لابس بدلة ميري، وورا اتنين عساكر.. وبالمعنى الأصح: البوليس!

الموظفة كانت واقفة وراهم، وشاورت عليا بصباعها وهي بتقول:

”هي دي يا حضرة الظابط.. هي دي الست اللي معاها الورق!”

أنا اتسمرت مكاني. الدم هرب من عروقي، ووقفت بصدمة وذهول وأنا بضم أدم لحضني وبسأل بصوت متقطع: “فيه إيه؟ أنتوا مين؟ وبتشاوروا عليا كدة ليه؟! أنا عملت إيه؟”

الظابط قرب مني، ملامحه كانت حادة وصارمة جداً، وبصلي بنظرة خلت ركبي تخبط في بعضها، وقال بلهجة جافة وصادمة:

”فيه إن جيلنا بلاغ من الموظفة هنا.. إن كل الأوراق اللي أنتِ شايلاها دي، من شهادة ميلاد الولد لقسيمة الجواز.. كلها أوراق مزورة تزوير كلي! اتفضلي معانا على القسم من غير شوشرة.”

في اللحظة دي، حسيت الأرض بتتهز من تحتي وأنا مش مستوعبة اللي بسمعه.. عقلي وقف كلياً… بس الصدمة دي مكنتش النهاية.. لأن اللي عرفته بعدها كان أسوء وأبشع بكتير من مجرد ورق مزور!!!!!!!

………

الدنيا اسودت في عيني، والظابط بيتكلم وأنا حاسة إن صوته جاي من حتة بعيدة أوي.. أدم بدأ يصرخ ويمسك في رجلي، وأنا مش قادرة أقف على طولي، دموعي نزلت مغرقة وشي وأنا بزعق بانهيىار: “تزوير إيه يا فندم؟! أنت بتقول إيه؟! ده جوزي، وده ابني، والورق ده كله مأذون اللي عامله في بيتنا! والله العظيم أنا ماليش دعوة بالحاجات دي!”

الظابط بصل لدموعي بنظرة شك، بس نبرته هديت سنة صغيرة وقال: “يا مدام الكلام ده مش هنا، اتفضلي معانا في الهدوء عشان الولد اللي مرعوب في إيدك ده”.

مشيت معاهم وأنا رجلي بتجرجر على الأرض، ركبنا البوكس والناس في الشارع بتبصلي كأني مجرمة.. أدم كان دافن رسه في حضني وبيموت من الخوف، وأنا عقلي شغال زي المكنة: طارق فين؟ معقول طارق ضحك عليا؟ طب ليه؟ طب والمأذون؟ طب وأمه؟!

وصلنا القسم، ودخلوني مكتب رئيس المباحث، راجل هادي وذكائه باين في عينه. قعدت على الكرسي وأنا بترعش، والظابط حط الأوراق قدامه على المكتب وقال: “يا فندم، دي الست اللي اتمسكت في المدرسة بأوراق مزورة.. قسيمة الجواز تزوير كلي، والشهادة متسجلة برقم قومي بتاع طفل متوفي من ست سنين!”.

الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. طفل متوفي؟! يعني أدم ملوش وجود في الدولة؟! يعني أنا مش متجوزة أصلاً؟!

رئيس المباحث بصلي وقال بجمود: “اسمك إيه يا مدام؟”

رديت بصوت مبحوح: “منى.. منى عبد الرحمن”.

”وتعرفي منين اللي اسمه طارق ده؟”

حكيت له كل حاجة من سبع سنين لحد النهاردة، وبقيت أحلف بأي حاجة في الدنيا إني ضحية ومش فاهمة حاجة. الراجل سمعني للآخر، وبعدين سحب قسيمة الجواز وبص فيها، وقال للظابط اللي واقف: “اطلبلي طارق ده فوراً، وهاتلي برينت كامل عن الرقم القومي بتاعه”.

ساعتين وأنا قاعدة على نار، لحد ما العسكري دخل ومعاه ورقة. رئيس المباحث خدها وبص فيها، وفجأة لقيت ملامحه اتقلبت تماماً.. بصلي بنظرة شفقة وعجز عمري ما هنساها.. نظرة رعبتني أكتر من نظرة الظابط في المدرسة.

قرب بالكرسي بتاعه وقال بصوت واطي: “يا مدام منى.. أنا عايزك تتماسكي.. الصدمة مش في الورق المزير وبس”.

مسكت في حرف المكتب وقولت برعب: “في إيه تاني يا فندم؟ قولي ماله طارق؟”

رئيس المباحث اتنهد وقال: “طارق اللي أنتِ عايشة معاه بقالك سبع سنين، ومخلفة منه.. اسمه الحقيقي مش طارق أصلاً.. اسمه ‘مسعد’، ومفيش حد في عيلته بالأسماء اللي قالها لك.. والست اللي جت معاه وقالت إنها أمه، دي واحدة مسجلة آداب ومأجرها بالفلوس عشان تعمل الدور ده”.

جسمي كله سقع، وحسيت إني مش قادرة أتنفس: “يعني إيه؟ يعني هو مين؟!”

الظابط كمل وجلدني بالحقيعة المرة: “مسعد ده مسجل خطر، هربان من حكم مؤبد في قض..ية قت..ل وسرقة بالإكراه من تسع سنين! هو انتحل شخصية ‘طارق’ ودور ورق عشان يختفي من عيون الحكومة.. وعشان يكمل الحبكة، اتجوزك بجواز صوري، وجاب واحد صاحبه لبس لبس مأذون وعملكم الحفلة دي في بيتكم.. أنتِ بالنسبة له كنتِ مجرد الستار اللي بيستخبى وراه من حبل المشنقة.. بيت هادي، وزوجة من عيلة محترمة، وطفل يثبت بيه وجوده الجديد في المنطقة.. أنتِ عيشتي سبع سنين مع قاتل وهربان من العدالة!”.

الدموع نشفت في عيني.. حسيت إن روحي بتتسحب مني.. السبع سنين اللي فاتوا مروا قدام عيني في ثانية.. الراجل الحنين، الكريم، اللي كان بيخاف عليا من الهوا، طلع وحش بشري.. طلع قاتل.. ومستخدمني لافتة عشان يداري قرفه! وابني.. ابني ملوش اسم، ملوش أب، ملوش ورق.. أنا ضعت، وضيعت ابني معايا عشان غميت عيني باسم الحب.

رئيس المباحث قاطع صدمتي وقال: “دلوقتي يا مدام منى، أنتِ هتمضي على أقوالك وتعملي بلاغ ضده، وإحنا هنطلع قوة على الشقة نجيبه.. ولازم تدلينا على أي مكان ممكن يهىرب فيه”.

هزيت راسي زي المجنونة وقولت: “هاتوه.. هلوتوه ارجوكم.. ده دمرني.. ده دب..حني ودب..ح ابني!”.

وفعلاً، القوة طلعت.. وفضلت أنا وأدم في القسم مستنيين.. بس الغدر مكنش واقف لحد هنا.. بعد ساعة، التليفون رن على مكتب رئيس المباحث، رد، ولقيته وشه اتخىطف وبصلي وقال: “الشىقة فاضية يا فندم؟.. يعني إيه؟.. طب دوروا في المنطقة!”.

قفل السكة وبصلي وقال بخيبة أمل: “مسعد فص ملح وداب.. الجيران قالوا إنه جه جري من ساعة، لّم كل الفلوس والدهب اللي في الشىقة، وهرب.. تليفونه اتمسك في المدرسة وعرف إنك اتمسكتِ!”.

في اللحظة دي، انهرت تماماً ووقعت على الأرض وأنا بصرخ، وأدم بيعيط ويحضن فيا.. أنا بقيت في الشارع.. برقم قض,,ية، وابن ملوش وجود، وشرف متهان، ومستقبل ضاع بين إيدين مجىرم هىرب وسابني أشيل الليلة لوحدي.

………

السابق1 من 2
تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى