
لمىيت ابني في حضىني وخرجت من القسم وأنا مش شايفة قدامي، الخطوة بطول سنة، والناس اللي بتبصلي برأفة واليجري ورايا بنظرات شك. ركبت تاكسي وروحت على شىقة أبويا الله يرحمه.. الشىقة اللي اتقفل بابها من يوم ما خرجت منها عروسة، أو كنت فاكرة نفسي عروسة!
فتحت الباب وإيدي بترتعش، دخلت ورمىيت نفسي على الكرسي في الصالون.. نفس الصالون اللي قعد فيه “مسعد” مع بابا، نفس المكان اللي المأذون المزيف كان قاعد فيه وبيكتب شهادة وفاتي بإيده وهو بيضحك!
-
محمد فواز الوحيدي (أبو صهيب)منذ 8 ساعات
-
بقالي تسع شهورمنذ يوم واحد
-
أمي رمتني انا وابويامنذ يومين
-
يحكي ان امرأةمنذ 3 أيام
أدم نام من كتر العياط والتعب على الكنبة، وأنا فضلت صاحية.. عيني في السقف، وكل دقيقة بتعدي بتشرح في قلبي. أنا منى.. البنت اللي كانت بتخاف من خيالها، بقيت فجأة في مواجهة مع الدنيا كلها، من غير ضهر، ومن غير ورق، وبسمعة ملوثة في دفاتر الحكومة!
يومين مروا وأنا حابسة نفسي، مباكلش ولا بشرب، لحد ما الباب خبط. قومت وأنا مرعوبة، فتحت ولقيت محامي محترم، كان صديق لبابا الله يرحمه وعارفنا من صغرنا. أول ما شافني، وشه اتقلب بالأسى وقال: “أنا عرفت باللي حصل يا منى من واحد صاحبي في القسم.. يا بنتي إزاي تسكتي على نفسك كدة؟”
عيطي انهار تاني وقولتله: “أنا مكنتش أعرف يا عم أحمد.. والله العظيم كنت فاكراه راجل بجد! أنا ضعت.. وأدم ضاع، ملوش شهادة ميلاد، ومليش قسيمة جواز، أنا في نظر القانون إيه؟!”
عم أحمد قعد وحط إيده على دماغه بتفكير، وقال بنبرة جدية: “اسمعيني يا منى.. العياط مش هيحل حاجة، والوحش ده هرب ومش هيرجع، وإحنا لازم ننقذ الولد وننقذك أنتِ الأول”.
”أنقذ نفسي إزاي والورق كله تزوير؟!”
عم أحمد بصلي وقال: “إحنا هنرفع قض..ية ‘إثبات زواج’ وقض..ية ‘إثبات نسب’ لأدم.. هنجيب شهود من الجيران اللي شافوه وهو عايش معاكي بقاله سبع سنين، وهنطلب تحليل DNA لو اتمسك، أو هنجيب شهادة الجيران وإقرار بالمعاشرة الزوجية عشان نطلع لأدم ورق رسمي باسم أبوه الحقيقي ‘مسعد’.. مش هنسيب الواد يضيع”.
الكلام ريح قلبي شوية، بس كان فيه نار جوايا مش هتنطفي إلا لما المجرم ده يقع.
مرت شهور وأنا كعابي دابت في المحاكم.. نظرات المحامين، وأسئلة القضاة، وتحقيقات النيابة اللي كانت بتخليني أحس إني عريانة وقدام الناس كلها. كل جيراننا في المنطقة القديمة جم وشهدوا معايا، ووقفوا وقفة رجالة وقالوا إن الراجل ده كان عايش معاها على إنه جوزها علنًا قدام ربنا والناس.
وفي يوم، وأنا قاعدة عند عم أحمد في المكتب بنتابع القض..ية، تليفونه رن.. رد، ولقيته وقف فجأة وصوته اتغير: “أنت بتتكلم بجد؟! فين؟! طيب أنا جاي حالاً”.
قفل السكة وبصلي وعينه بتلمع: “اتمسك يا منى! مسعد اتمسك في كمين على طريق الإسكندرية وهو بيحاول يهرب ببطاقة مزورة تانية!”.
حسيت إن روحي رجعتلي.. قومت وقفت وقولت بقوة عمري ما حسيت بيها قبل كده: “أنا لازم أروح.. لازم أشوفه وهو مكسور زي ما كسرني!”.
روحت مع عم أحمد على النيابة، ووقفت ورا باب التحقيق.. ولما العسكري خرجه والكلابشات في إيده، شوفت طارق.. قصدي مسعد! مكنش طارق الحنين اللي عرفته.. كان وشه شاحن، وعينه زي التعالب، وهدومه مبهدلة.
أول ما عينه جت في عيني، حاول يدير وشه، بس أنا قربت منه ووقفت قدامه، وبقيت أبص له بنظرة مفيهاش دموع.. فيها غل وقرف.
وقفت وقولتله بصوت عالي وثابت سمعه كل اللي في الممر: “فاكر نفسك ذكي؟ فاكر إنك لما تسرق اسم، وتسرق عمر بنت، وتسرق مستقبل طفل، ربنا هيسيبك؟ أنت عشت جبان وهتموت في السجن محبوس زي الفئران.. وأنا ابني هربيه وهيبطل يشيل اسمك القذر ده، وهيطلع أنظف وأرجل منك يا مجرم!”.
مسعد بنذالة بص في الأرض ومطقش بكلمة، والعسكري شده ومشي بيه لزنزانته.. شوفت ظهره وهو ماشي وحسيت إن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح.
بعد السنين دي كلها، القض..ية حكمت ليا بإثبات النسب، وأدم بقا معاه شهادة ميلاد حقيقية باسم “أدم مسعد”.. مكنش الاسم اللي بتمناه، بس على الأقل ابني بقا ليه وجود، وبقا يقدر يدخل المدرسة زي بقية الأطفال.
أنا اتعلمت الدرس الغالي أوي.. الدرس اللي دفعنا تمنه سبع سنين من عمري.. الحب الأعمى مبيجيبش غير الندم، والثقة المطلقة في شخص ملوش أصل هي أول طريق الهاوية. دلوقتي، وأنا واقفة قدام باب المدرسة وبسلم ملف أدم للموظفة، وهي بتبتسم وتقولي: “ورقك تمام يا مدام”، بصيت للسما وقولت: “الحمد لله.. بردت ناري، وبدأت حياتي من جديد”.
………
عدت السنة الأولى لأدم في المدرسة، وكل يوم كنت باخده في حضني الصبح وأنا بوجّهه لباب المدرسة، كنت بحس إن كل خطوة بيخطيها هي خطوة ليا أنا كمان ناحية الحياة من جديد. اشتغلت، نزلت واجهت الدنيا، مكنش ينفع أفضل كسر نفسي بعد كل اللي حصل. اشتغلت في أتيليه تفصيل وخياطة، وبقيت بقرش الحلال قادرة أكفي نفسي وابني، ومحتاجش لمخلوق.
وفي يوم وأنا راجعة من الشغل، لقيت عم أحمد المحامي بيكلمني، صوته كان فيه نبرة غريبة.. هدوء ممزوج براحة.
“إزيك يا منى يا بنتي.. عاملة إيه وأدم عامل إيه؟”
”الحمد لله يا عم أحمد، في فضل ونعمة.. خير، فيه جديد في القض..ية؟”
عم أحمد اتنهد وقال: “مسعد خلاص يا منى.. الحكم القديم اتنفذ عليه، وانضافت عليه قضايا التزوير والنصب وانتحال الشخصية.. أخد حكم مجمع مش هيخرج منه حي. اتقفل كتابه للأبد يا بنتي، وعمرك اللي سرقه، ربنا رجعلك تمنه كرامة وراحة بال”.
أول ما قفلت السكة، حسيت بركبي سابت.. قعدت على أقرب كرسي، بس المرة دي مكنش فيه دموع خوف ولا قهر، كانت دموع شكر.. شكر لربنا اللي مبيسيبش حق حد.
لكن الدنيا مبتقفش، وأدم بدأ يكبر، ومع كبره بدأت الأسئلة.. الأسئلة اللي كنت مرعوبة منها من يوم ما اتولد.
في يوم، وأنا بقعد معاه أذاكر له، لقا كتاب القراءة مكتوب عليه اسمه بالكامل: “أدم مسعد…”، بصلي بعيونه البريئة اللي شبه عيوني وقال: “ماما.. هو أنا ليه مش بشوف بابا؟ وليه كل صحابي في المدرسة باباهم بييجي ياخدهم وأنا لأ؟ هو بابا فين؟”
الكلمة سكنت في صدري زي السك..ينة. بلعت ريقي، وحاولت أجمع كل ثباتي عشان متهزش قدامه. نزلت لمستواه، مسكت إيديه الصغيرة وقولتله بنبرة هادية ومليانة حنان: “بص يا حبيبي.. بابا ده كان شخص مش كويس، عمل حاجات وحشة زعلت ربنا وزعلت الناس منه، وعشان كده ربنا أخد منه كل حاجة، وهو دلوقتي بعيد.. بعيد أوي ومش هيرجع تاني. بس أنت مش لوحدك، أنا معاك.. أنا بابا وأنا ماما، وأنا ضهرك وسندك في الدنيا دي، وهخليك أحسن راجل في الدنيا.. عشان لما تكبر، تعوضني عن كل حاجة”.
أدم بصلي بذكاء وفهم مسبق سنه، وهز راسه وخدني في حضنه وقال: “أنا بحبك أوي يا ماما، ومش عايز حد تاني غيرك”.
مرت السنين، وبقى أدم في إعدادي، طول بعرض، راجل بجد بيتحمل المسؤولية معايا.. مشيت في الدنيا بوش مكشوف، مكسورة الرأس لأي حد، لأن اللي حصلي كان ابتلاء وأنا انتصرت عليه. مسبتش مجرم يكىسرني ولا قانون يضيع ابني.
ودلوقتي، وأنا قاعدة في صالون بيتنا، ببص لشهادات تقدير أدم اللي مالية الحيطة، وبفتكر الدوسيه الكحلي القديم اللي كان مليان تزوير وكدب.. ببتسم وبقول لنفسي: “الورق المزير بيتحىرق، والكدب حباله قصيرة.. بس الحقيقة، والست اللي بتوقف على رجلها عشان خاطر ابنها، هي اللي بتعيش وتكتب تاريخها الحقيقي بإيدها”.
………
السنوات بقت بتجري زي الثواني، وأدم كبر وبقى شحط، طول بعرض، صوته خشن وبقى مالي عليا البيت. دخل ثانوية عامة، وطول السنة دي أنا وهو كنا عايشين في معسكر.. هو يذاكر ويطحن نفسه، وأنا من الفجر صاحية أجهز له أكله وأدعيله، وعيني عليه وهو بيقاوم النوم والتعب عشان يثبت لنفسه وليا إنه قد المسؤولية.
ويوم النتيجة.. اليوم ده عمري ما هنساه. كنت قاعدة على أعصابي، ماسكة الموبايل وإيدي بترتعش، لحد ما السايت فتح وأدم دخل رقم الجلوس. فجأة لقيت الولد صرخ صرخة هزت الشقة، وقام سجد على الأرض وهو بيبكي بنشيج قاطع النفس. أنا قلبي وقع في رجلي، قولتله برعب: “إيه يا أدم؟ طمني يا بني؟”
رفع راسه وعينه حمرا من الدموع وقال بصوت مخنوق من الفرحة: “خمسة وتسعين في المية يا ماما! جبت خمسة وتسعين في المية! هدخل هندسة زي ما كنتِ بتحلمي!”.
ارتميت في حضنه وبقيت أعيط بهستيريا.. عياط السنين كله خرج في اللحظة دي. قولتله وأنا ببوس دماغه وإيديه: “رفعت راسي يا بني.. ربنا جير بخاطري فيك، وطلع تعبي بفايدة.. أنت بطل يا أدم، بطل”.
ودخل أدم كلية الهندسة، وبقى يروح وييجي وواثق في نفسه، ميبصش في الأرض أبدًا. الشاب اللي اسمه مسجل في دفاتر الحكومة باسم “أبن مسجل خطر”، بقى في الحقيقة هو البشمهندس أدم، الشاب المحترم اللي المنطقة كلها بتحلف بأدبه وجدعنته.
لحد ما جه اليوم اللي كنت شايلة همه من زمان.. يوم ما أدم جه وقعد جنبي وهو مكسوف، وبدأ يفرك في إيديه وقال بصوت واطي: “ماما.. كنت عايز أكلمك في موضوع كدة”.
فهمت على طول وابتسمت: “شايفاكي بتلف وتدور بقالك كام يوم.. مين سعيد الحظ؟”
وشه احمر وقال: “زميلتي في الكلية.. اسمها ‘ندى’.. بنت مؤدبة جداً ومن عيلة ناس طيبين أوي يا ماما، وأنا بصراحة اتعلمت منها ومنك إني أدخل البيوت من أبوابها، وكنت عايزك تيجي معايا نخطبها”.
الفرحة خدتني، بس في ثانية، الوجع القديم صحي في قلبي زي النغزة.. مسكت إيده وقولتله بقلق: “يا حبيبي أنا فوق الوصف فرحانة لك.. بس أنت عارف يا أدم.. إحنا لازم نكون صرحا معاهم من أول دقيقة.. عيلة البنت لازم تعرف كل حاجة عن قصة أبوك.. أنا مش هبني حياتك على داري وفوت، ولا هسمح إن كدبة تانية تبوظ حياتنا.. لازم يعرفوا عشان نشتري ناس شارينا بجد”.
أدم بصل بصلة كلها فخر وقال: “أنا كنت متأكد إنك هتقولي كدة يا أمي.. وأنا فعلاً مكدبتش عليها، ندى عارفة كل حاجة، وقالتلي إنها شارياني أنا، مش شارية ماضي ماليش ذنب فيه.. وباباها راجل محترم ومثقف وقال إنه عايز يقعد معاكي”.
وروحنا.. دخلت بيتهم وأنا حاطة عيني في عين أبوها، مكسورة ولا خايفة. الراجل استقبلنا بأحسن استقبال، وقعدنا واتكلمنا، وفي وسط الكلام، أبو ندى بص لأدم وقال بنبرة كلها احترام: “بص يا بني.. أنا سألت عليك في كليتك وفي منطقتك، والكل قال إنك راجل وابن ست بمىيت راجل.. الماضي بتاع أبوك ده يخصه هو، وربنا حاسبه عليه.. إنما أنت، أنت النسخة النظيفة، النسخة اللي أمك تعبت وشقيت عشان تطلعها للنور.. وأنا يشرفني ويسعدني إني أناسبكم”.
الكلمة دي غسلتني من جوايا.. حسيت إن ربنا بيطبطب على قلبي بعد السنين دي كلها وبيقولي: “أهو تعبك ماراحش الأرض”.
النهاردة، وأنا واقفة في قاعة الأفراح، لابسة فستان شيك ومزغردة بعلو صوتي وسط الناس.. وببص لأدم وهو لابس بدلة الفرح وبيرقص مع عروسته، افتكرت نفسي من كام وعشرين سنة، لما كنت واقفة في مكتب الموظفة والبوليس بياخدني.. واكتشفت إن المحنة دي، مكنتش نهاية العالم.. دي كانت البداية الحقيقية عشان أبقى “منى” القوية، وعشان أخلق من وسط الضلمة راجل بجد يغير مجرى حياتنا.
بصيت لروحي في المراية وقولت: “الحمد لله.. الحكاية خلصت صح، والنور كسب في الآخر”.
تمت








