
2
لعنة اللحمة المسمومة حكايات زهرة الربيع
-
التميمهمنذ أسبوعين
-
بعد الفيديو دا خلاص اتأكدت انو حانت ساعة الصفرمنذ 3 أسابيع
-
بدلت بنتي مع بنت البوابمنذ 3 أسابيع
-
فطريات الأصابعمنذ 4 أسابيع
الروح اللي فيها تهدى وتخرج منها، وأبويا بقلة صبره كسر الختم.
فجأة، تامر وقف وشد في شعره بقوة لدرجة إني سمعت صوت جلده بيتمزق، وبدأ يصرخ صرخة هزت أركان البيت، وأمي اللي كانت بتعيط جنب أبويا فجأة سكتت تماماً، التفت لها لقيتها قاعدة وباصة للسقف، وعيونها مبيضة تماماً، وبدأت تتمتم بكلام مش مفهوم، كلام لغة قديمة تقيلة على الودن، في اللحظة دي، النور طفى في البيت كله، وما بقاش فيه غير صوت أنفاسهم العالية، صوت أنفاس مش بشرية، صوت تزييق خشب، وصوت رانيا من فوق بتصرخ صرخة واحدة وبعدها حل صمت قاتل.
أنا مش عارف أتحرك، مش عارف أهرب، البيت بقى مسجون في حاجة تانية، حاجة أقدم مننا كلنا، وكل اللي في دماغي دلوقتي هو السؤال اللي رن في ودني قبل ما الدنيا تضلم تماماً هو أنا لسه عايش.. ولا أنا كمان بقيت جزء من الوجبة؟
………
الضلمة كانت تقيلة، ريحة كبريت وشياط كانت خانقة لدرجة إني بدأت أحس بصدري بيتحرق مع كل نَفَس. فضلت واقف في مكاني، أسناني بتخبط في بعض، مش قادر حتى أفتح بوقي أستغيث. فجأة، سمعت صوت تكة خفيفة، صوت باب خشب بيفتح ببطء في الدور اللي فوق، صوت خطوات رانيا.. بس الخطوات كانت غريبة، كانت تقيلة ومسطحة، زي ما يكون حد ماشي برجله العارية على البلاط ومبلولة حاجة لزجة.
طلعت أجري على السلم، مكنتش شايف قدامي غير خيالات سوداء بتتحرك، وصلت الدور اللي فوق ودفعت باب الشقة اللي رانيا كانت مستخبية فيه، المطبخ كان مفتوح، وبصيت ناحية أوضة النوم، النور كان مطفي، بس كان فيه ضوء خافت جاي من الشباك بيوريلي رانيا واقفة قدام السرير، ضهرها ليا، وبنتنا الصغيرة في إيدها، بس
الغريب إن البنت كانت ساكتة تماماً.. ساكتة بزيادة.
رانيا؟ صوتي طلع مخنوق ومترعش.
رانيا لفت ببطء.. وشهقت لدرجة إن روحي كانت هتطلع. ملامح رانيا كانت هي هي، بس عينيها.. عينيها كانت بتلمع في الضلمة بلون أحمر قاني، وبقها كان فيه أثر دم، والأسوأ.. إنها كانت بتبتسم ابتسامة عريضة مش طبيعية، شفايفها مشدودة لأقصى درجة.
أحمد.. قالتها بصوت مش صوتها، كان مزيج من صوتها وصوت راجل عجوز، اللحمة كانت طعمها حلو أوي يا أحمد.. بس كانت ناقصة حاجة واحدة.
بصيت في إيدها، مكنتش شايلة بنتنا، كانت شايلة كتلة ملفوفة في قماشة بيضاء، والكتلة دي كانت بتتحرك.. بتنبض زي ما يكون قلب حي. رجعت لورا خطوة، خبطت في الدولاب، لقيت رانيا بتنط ناحيتي بسرعة جنونية، مكنتش بتمشي، كانت بتتشقلب في الهوا زي ما يكون فيه خيوط ماسكاها من فوق.
في اللحظة دي، سمعت صوت خبط على باب الشقة اللي تحت، خبط قوي وعنيف، صوت خبط أبويا، بس كان صوت خبط ميت.. خبطة بوزن تقيل، وصوت أمي وهي بتزغرد زغاريد جنائزية مرعبة.
افتح يا أحمد! صوت أبويا جه من ورا الباب، كان صوت استغاثة وصوت تهديد في نفس الوقت، اللحمة لسه ما خلصتش.. واللي ما كالش من اللحمة، اللحمة هتاكله!
رانيا وقفت قدامي، حطت صباعها على شفايفها وقالت بصوت فحيح اسمع.. هما بره، وأنا هنا.. تفتكر مين فينا اللي هيشبع منك الأول؟
حسيت ببرودة تلتف حوالين رقبتي، بصيت لقيت إيد تانية طالعة من تحت السرير، إيد تامر، عروقها بارزة وجلدها متسلخ، مسكت رجلي وبدأت تشدني لتحت، بينما رانيا قربت وشها من وشي، لدرجة إني بقيت شامم ريحة اللحمة النيئة طالعة من مسام جلدها، وقالت بصوت واطي
الحل
مش في الهرب يا أحمد.. الحل في الورقة اللي قطعتها.. الورقة دي كان مكتوب فيها الاسم اللي يطرد اللعنة.. بس إنت قريت نصها، ونسيت تكتب التكملة بدمك.
بدأت أحس بجلدي بيتشد، كأنه بيتحول، وبدأت أشوف إيدي بتسود، عرفت وقتها إن مفيش مفر.. إن اللعنة دخلت جوه دمي بمجرد ما لمست الشنطة عشان أمنع أخويا. صرخت صرخة أخيرة قبل ما النور يقطع تماماً، وقبل ما أحس بأسنان حادة بتغرس في كتفي، وآخر حاجة سمعتها كانت صوت ضحك عيلة كاملة مجتمعة في مطبخي.. بيجهزوا وليمة جديدة، وأنا كنت المكون الأساسي فيها.
……..
الضلمة ما كانتش مجرد غياب للنور، كانت كيان بيعصر روحي. حسيت بوجع شنيع في كتفي، زي ما يكون مبرد حديد غارز في العضم. حاولت أتحرك، أقاوم، أصرخ، بس جسمي كان متخشب تماماً، كأني ممسوك بمسامير في الأرض. الصوت اللي سمعته في الآخر ما كانش ضحك بس، كان صوت تتبيت عضم بيترص فوق بعضه، كأن اللي في الأوضة بيجهزوا المائدة اللي هما جزء منها.
فجأة، حسيت بلسعة في إيدي اليمين، ريحة حرق خفيفة طلعت في الأوضة. لقيت الورقة اللي كنت شلتها في جيبي بتنور بنور أحمر خافت، وبدأت تحرق في جلدي. الألم كان زي النار، بس في نفس اللحظة، حسيت بوعيي بيرجعلي حتة حتة. بصيت على الورقة وهي بتتمزق في جيبي، وبدأت الكلمات الممسوحة تبان قدامي بوضوح، كأنها بتتحفر على الجلد من أراد النجاة، فليقدّم القربان الحقيقي.. لا الدم، بل الندم.
فهمت اللعبة. اللحمة دي ما كانتش لحمة حيوان، دي كانت تجسيد ل طمع العيلة، وكل ما بيزيد الطمع، الكيان ده بيزيد قوة. يا رانيا! صرخت بأعلى صوت عندي، مش بطلب النجدة، بس بصرخة خالية من
أي خوف. أنا مش ندمان على اللحمة.. أنا ندمان إني فكرت في يوم إن البيت ده ممكن يجمعنا في سلام وأنتوا قلوبكم سودة!
الكيانات اللي في الأوضة اتجمدت. صوت التزييق وقف. رانيا أو اللي جواها اتنفضت لورا كأنها اتكهربت. بصيت في عينيها اللي كانت لسه حمرا، لقيت دمعة حقيقية بتنزل منها، دمعة بشرية بتغسل السواد اللي في عينيها.
أحمد؟ صوتها رجع طبيعي، كان واهن ومكسور، إنت.. إنت عملت إيه؟
بصيت لكتفي، الجرح كان بيلم بسرعة، وبدأت ريحة العفن تتبدد وتتحول لريحة بخور قديم. تامر وأبويا اللي كانوا بيخبطوا بره، سكتوا تماماً. البيت سكن بطريقة مرعبة، سكون الموتى.
مديت إيدي وخدت بنتي من على السرير، كانت نايمة بعمق كأنها ما حستش بحاجة، بس جسمها كان دافي بطريقة غريبة. رانيا وقعت على الأرض، منهكة، والكيانات اللي كانت سكنة جسمها خرجت في صورة دخان أسود اتلاشى في سقف الأوضة.
بصيت من الشباك، الشارع كان فاضي، بس النور اللي في بيت أبويا تحت طفى خالص، ورجعت الدنيا طبيعية، كأن ما حصلش حاجة. لكن لما نزلت أنا ورانيا بالبنت، وخرجنا من باب البيت، سمعت صوت همس ورايا، صوت أبويا، بس المرة دي كان صوته الحقيقي، صوت راجل عجوز مكسور يا ابني.. اللي بياكل حق غيره، بياكل من كفنه قبل ما يلبسه.
مشيت من غير ما ألتفت، سيبت ورايا البيت، واللحمة، والعيلة اللي طمعها كان هيغرقنا كلنا. ركبت العربية وأنا بلمس مكان الجرح اللي اختفى، بس بقالي أثر في قلبي.. عرفت وقتها إن فيه حاجات في الدنيا نذر ما ينفعش حد يلمسها، وإن فيه أسرار البيوت لما بتطلع للعلن، مش بتخرب البيوت بس.. دي بتمحي أصحابها من الوجود.
وصلت بيت أهل رانيا مع أول ضوء للفجر،
متابعة القراءة








