منوعات

لعنة اللحمة حكايات زهرة الربيع

3

لعنة اللحمة المسمومة حكايات زهرة الربيع

مقالات ذات صلة

 

دخلت عليهم وأنا شايل بنتي، لقيت حماتي مستنياني عند الباب. بصت لي بعينين فاهمة كل حاجة، وما سألتش فين اللحمة، ولا فين العيلة. بس وهي بتاخد مني البنت، لمست إيدي وقالت بصوت واطي الندم هو اللي نجاك يا أحمد.. بس خلي بالك، اللعنة اللي بتخرج من البيت، بتدور دايماً على بيت جديد.. ابعدوا عن المكان ده، وما تدوروش على اللي حصل للي فضلوا جوه.

ومن يومها، أنا ورانيا سافرنا، وما رجعناش لورا أبداً. لكن في كل مرة بنشم فيها ريحة لحمة مشوية، بنبص لبعض برعب، وبفتكر صوت تامر وهو بيقول طعمك طري.. وبحس إن فيه حد لسه مستنينا، في مكان ما، بياكل ويستنى دورنا في الوجبة اللي جاية.

السنين عدت، وبنينا حياة جديدة بعيد عن كل حاجة، بس الذاكرة زي الوشم، ما بتمسحش. رانيا بقت دايماً بتصحي بالليل مفزوعة، والندبة اللي كانت على كتفي مكان عضّة الكيان، كانت بتنور وتوجع كل ما نقرب من مناسبة أو ريحة معينة، كأنها بوصلة بتحذرني إنهم لسه موجودين، بيراقبونا من ورا حجاب الزمن.

في ليلة شتويّة، واحنا قاعدين في أمان، جرس الباب رن. رانيا اتجمدت في مكانها، وبنتنا اللي كبرت وبقت في المدرسة جريت تفتح من غير ما تستوعب الخطر. قلبي وقع في رجلي. جريت وراها، وبصيت من العين السحرية، لقيت راجل غريب لابس بالطو تقيل، وواقف ضهره للباب، وفي إيده شنطة بلاستيك سودة، مربوطة بنفس الطريقة اللي كانت مربوطة بيها لحمة حماتي زمان.

صوته طلع خشن ومكتوم من ورا الباب أحمد.. صاحب البيت اللي فات باعتلك الأمانة. قالك إن دي تكملة العزومة اللي ما كملتش، والواجب ما يتردش ناقص.

الدم جمد في عروقي. بصيت لرانيا اللي كانت بتبصلي بانهيار، والسكينة اللي في المطبخ كانت قدامي،

بس إيدي مكنتش قادرة تتحرك. الراجل ساب الشنطة قدام الباب ومشي بخطوات تقيلة، غريبة.. زي خطوة تامر يوم الكارثة.

فتحت الباب ببطء، مفيش حد في الطرقة، غير الشنطة السودة اللي بتنقط دم أسود على السجادة، وبتطلع نفس ريحة العفن اللي عرفتها من سنين. رانيا صرخت أحمد، ارميها! ارميها في الزبالة واحرقها!

مسكت الشنطة بأطراف صوابعي، حسيت بنبض جوه الشنطة.. نبض قلب! فتحتها لقيت فيها حتة لحمة واحدة، وعليها ورقة مكتوب فيها بخط إيد أبويا اللي كان ميت محدش هيهرب من العشاء يا ابني.. إحنا استنينا أسبوع، بس إنت هربت سنين.. والنهاردة الحساب بالفوائد.

فجأة، سمعت صوت ضحك طالع من موبايلي اللي كان مقفول، صوت رنة موبايل تامر المتوفي، بتبدأ ترن وتصدح في البيت، والشاشة منورة بصورة عيلة كاملة مجتمعة على مائدة واحدة، أبويا، تامر، وأمي.. وكلهم باصين للكاميرا وبيبتسموا، وبيشاوروا لي أجيب كرسي وأقعد معاهم.

الشنطة بدأت تكبر، واللحمة اللي فيها بدأت تتشكل، تطلع منها إيد بشرية شبه إيدي، بتمسك مقبض الباب من جوه وبتقفله بالمفتاح. الضلمة بدأت تزحف من زوايا الشقة، ورانيا بدأت تترعش وتقول هما جوه.. هما دخلوا معانا تاني.

بصيت للمراية اللي قدامي، لقيت انعكاسي مش أنا.. لقيت تامر واقف ورايا في المراية، بيبتسم ابتسامة شاقة وشه نصين، وبيقولي سفرك ما نفعش يا أحمد.. اللي بيدوق من أكلنا، بيتحول لواحد مننا.. تعالى، العشا لسه بيبدأ.

وفي اللحظة دي، النور طفى، وسمعت صوت بنتي بتضحك ضحكة العيلة.. وبدأت أفهم الحقيقة المرعبة إحنا ما هربناش، إحنا كنا بنربي الوجبة عشان لما نكبر.. ييجوا ياكلوها وهي مستوية.

………

في اللحظة اللي ضحكة بنتي خرمت

فيها ودني، حسيت ببرودة الموت بتسري في عروقي. بصيت لها، لقيت عنيها متبدلة، بقت حفر سودة غويطة، مفيش فيها براءة الطفولة، فيه فيها جوع سنين. رانيا وقعت على ركبتها، وهي بتضم إيدها على راسها وبتصرخ صرخة مكتومة، كأنها بتتحارب مع حاجة جواها، والشنطة اللي على الأرض كانت بتنبض وبتاكل في السجادة، السجادة بتدوب تحتها زي ما تكون بتدوب في حمض كاوٍ.

لا.. مش بنتي! مش هي! صرخت وأنا بحاول أهجم على بنتي عشان أضمها، بس لقيت حواجز غير مرئية بتمنعني، خبطت في هوا تقيل، حاجة بتصدني بقوة جبارة. صوت أبويا الميت بدأ يتردد في كل ركن في الشقة، مش من بره، لأ.. من جوه جدران الشقة نفسها، صوته كان مليان شماتة الدم بيحن يا أحمد.. إنت اللي خدتها من بيتنا، وأنت اللي رجعتها لينا.. هي كانت المعزوم اللي ناقص!

لقيت نفسي فجأة ببعد عنهم، مش بإرادتي، كأن خيوط غير مرئية بتشدني ناحية المطبخ. في المطبخ، الحلة الكبيرة اللي كانت عند أبويا زمان، لقيتها محطوطة على بوتاجازي، والنار قايدة تحتها، ريحة العزومة اللي كانت بتجهز مالت المكان. بصيت للمطبخ، لقيت تامر واقف هناك، بيمسك سكينة وبيقطع في حاجات مش واضحة، وبيغني بصوت واطي لحن جنائزي قديم.

تامر؟ نطقت باسمه من بين سناني، لفت لي، نص وشه كان واقع، وجلده كان متعلق بفتل زي اللحم المستوي. أحمد.. ما تبقاش جلده، قولتلك خلي إيدك فرطة.. العشا جاهز، والكل مستنيك.

بصيت لرانيا، كانت واقفة ورا بنتها، ملامحها ميتة تماماً، وبنتنا كانت قاعدة على الكرسي في نص الصالة، بتلعب بقطعة لحمة صغيرة في إيدها، وبتبتسم لي ابتسامة عريضة، لدرجة إن خديها اتشققوا وبان منهم سنانها اللي بقت حادة زي القواطع.

حاولت أصرخ،

بس لقيت بوقي بيتخيط بخيوط سوداء طالعة من الحيطة. لقيت نفسي بقرب من المائدة، رجليه بتتحرك لوحدها، والشهوة بدأت تسيطر على عقلي.. مش شهوة الأكل، لأ.. شهوة الانتماء للدايرة دي. عرفت وقتها إن مفيش خروج، إن اللي داق اللعنة مرة، بقى جزء من نسيجها.

قعدت على الكرسي، والكرسي كان ساقع زي التلج. رانيا حطت قدامي طبق، والطبق كان فيه حتة لحمة بتنزف دم سخن. بصيت للطبق، وبصيت لعيلتي اللي بقت كيانات محبوسة في اللعنة دي. كل يا أحمد.. قالتها رانيا، وصوتها كان صوت عيلة كاملة بتنادي على واحد منهم.

رفعت الشوكة، وإيدي كانت بتترعش. في اللحظة اللي كانت فيها الشوكة هتلمس اللحمة، سمعت صوت خبط على باب الشقة الحقيقي.. خبط خفيف، منتظم، ومطمن. صوت أذان الفجر كان طالع من بعيد، والضوء بدأ يتسرب من تحت باب الشقة. الكيانات اللي قدامي اتوترت، والبيت كله بدأ يتهز.

ده مين؟ سألت بصوت مبحوح، صوتي كان طالع بالعافية من تحت الخيوط السوداء.

تامر اتشنج، وقال بصوت فحيح ده اللي مش معزوم.. ده اللي بيفسد الوليمة.

الباب اتفتح، مش بلمسة حد، الباب اتفتح لوحده.. ودخل منه نور أبيض قوي، نور غريب، مسح الضلمة والريحة والكيانات في لحظة. لقيت نفسي مرمي في نص الصالة، والبيت فاضي تماماً، رانيا وبنتي كانوا نايمين في أوضتهم، والهدوء كان مالى المكان. بصيت للأرض، ملقتش شنطة، ملقتش لحمة، مفيش أي أثر.

قمت وقفت، جسمي مكسر كأني كنت في معركة حقيقية. دخلت أوضة النوم، لقيت رانيا وبنتي نايمين بسلام. بس لما رحت للمراية عشان أشوف وشي، لقيت على ركبتي آثار عض قديم، وعيني.. عيني كان فيها لمعة خفيفة باقية من اللون الأحمر.

عرفت وقتها إن اللعنة ما انتهتش، هي بس اتأجلت، وإنهم مستنيين الوقت

متابعة القراءة

تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى