
لعنة اللحمة المسمومة حكايات زهرة الربيع
-
التميمهمنذ أسبوعين
-
بعد الفيديو دا خلاص اتأكدت انو حانت ساعة الصفرمنذ 3 أسابيع
-
بدلت بنتي مع بنت البوابمنذ 3 أسابيع
-
فطريات الأصابعمنذ 4 أسابيع
اللي هكون فيه لوحدي، عشان يكملوا العزومة اللي بدأت من سنين. وفتحت درج المكتب، لقيت فيه ورقة صغيرة مكتوب فيها بخطي أنا بكرة.. العزومة الجاية في بيتك الجديد.
………..
وقفت قدام المراية ويدي بتترعش، مسكت الورقة اللي بخطي وبدأت أفركها بصوابعي.. كانت حقيقية، حبر لسه طري، ريحته زي ريحة دم تامر. رميت الورقة في الحوض وفتحت المية بجنون عشان أمحي أثرها، بس المية اللي نازلة من الحنفية مكنتش مية، كانت دم أسود تقيل لزج، ريحته بتفحفح في الحمام وبتملى المكان بخنقة الموت.
اتراجعت لورا خبطت في الباب، لقيت المطبخ اتفتح لوحده، وصوت طقطقة تقطيع اللحم رجع تاني.. سكاكين بتخبط على خشب، ريحة سلق لحمة نفاذة لدرجة إن عيوني دمعت. مكنش في وقت للمنطق، جريت على أوضة رانيا وبنتي، فتحت الباب لقيتهم نايمين، بس الملايات كانت متغطية بقع سوداء صغيرة بتنتشر زي الفطريات.
هزيت رانيا بعنف رانيا! قومي! لازم نمشي حالا!
رانيا فتحت عينيها، عينيها كانت طبيعية، مفيش فيها اللون الأحمر، بس كانت مليانة رعب بيبص ورايا. همست بصوت بيتهته أحمد.. إنت سمعت الصوت؟ اللي بيخبط على الباب دلوقتي.. ده مش إنسان.
سكتنا، والسكون بقى تقيل لدرجة إننا بقينا سامعين دقات قلب بعض. الخبط على باب الشقة مكنش عشوائي، كان خبطات موزونة.. تك.. تك.. تك.. خبطات جنائزية. صوت مألوف جداً، صوت الحاج عبد العزيز، بس من غير أي حنية، صوت طالع من حنجرة مدفونة في الطين يا أحمد يا ابني.. الأكل برد، والضيوف مستنيين.. إنت صاحب البيت، ومينفعش الضيف يدخل والراجل غايب.
بصيت لرانيا، لقيتها بتتشاهد، مسكت بنتنا وضميتها لحضني، دخلت على المطبخ وأنا مقرر إني مش هفتح الباب مهما حصل. لقيت السكاكين كلها مرصوصة على الرخامة بشكل دائري، وفي نص الدائرة، كان فيه طبق صيني قديم، فيه حتة لحمة واحدة.. نية، طازة، وبتنبض!
بصيت للطبق وصرخت مش هاكل! مش هلمسها!
فجأة، الباب اللي ورايا اتفتح على مصراعيه، مش باب الشقة، لأ.. باب العدم.
شفت الحاج عبد العزيز وتامر وأمي واقفين في الطرقة، ملامحهم باهتة زي صور قديمة محروقة، بس عنيهم كانت بتلمع بشراسة جوع أبدي. الحاج عبد العزيز بص لي وقال ببرود يا ابني، اللحمة دي مش بس لحمة.. دي الندر اللي ورثناه عن أجدادنا، والبيت ده اتبنى على أساس إن كل جيل لازم يطعم الكيان اللي حامي البيت.. إنت هربت، فجعت الكيان، والنهاردة هو جاي ياخد نصيبه من الجيل الجديد.
أشار بإصبعه لبنتي اللي في حضني. قلبي اتوقف، إحساس بالعجز وصل لمرحلة الجنون. رميت بنتي في حضن رانيا وزقيتها ناحية البلكونة نطي! نطي يا رانيا!
رانيا صرخت مش هسيبك!
نطييييي!
رميتها، وشفتها وهي بتتعلق في حديد البلكونة وتتشعبط عشان توصل للجيران، بس قبل ما تلف وشها، شفت إيد سودة طالعة من سقف البلكونة، إيد طويلة جداً، مسكت رقبة بنتي.
في اللحظة دي، فقدت السيطرة. مسكت سكينة من الرخامة، بس بدل ما أهجم عليهم، غرزتها في اللحمة اللي في الطبق، وبدأت أقطع فيها بجنون، وأنا بصرخ لو دي اللعنة.. يبقى هنهيها هنا!
كل قطعه كنت بقطعها من اللحمة، كنت بسمع صرخة بتطلع من جسم الحاج عبد العزيز، جلده كان بيتقطع مع كل حركة مني. رانيا في البلكونة صرخت صرخة عالية، والكيان اللي كان ماسك بنتي سابها ووقع في الشارع، بس وقع زي كتلة لحم مش زي بني آدم.
البيت بدأ ينهار، السقف بقى يقع قطع جبس كأنها عضم، والحيطان بدأت تنزف سواد. بصيت للحاج عبد العزيز، كان بيتحول لتراب، وتامر وأمي بدأوا يختفوا كأنهم دخان ملوش أصل. وقبل ما السقف يطبق علينا، مسكت رانيا وبنتنا، وطلعت أجري على السلم، السلم كان بيتمط، بيطول، بيقصر، بس فضلت أجري وأنا بسمع صوت ضحكة أخيرة جاية من تحت الأرض الدين ما اتسدش يا أحمد.. لسه فيه وجبة تانية، والمرة الجاية.. المائدة هتكون في جهنم.
خرجت للشارع، النور كان بيطلع، الناس بدأت تظهر، والبيت القديم.. اللي كنا فيه، اختفى، مكانه كان مجرد أرض فاضية، خربة قديمة، مفيش فيها أي أثر لحياة، كأنها مكنتش موجودة أصلاً.
بصيت لرانيا وبنتي، كانوا بيتنفسوا، والهدوء رجع للدنيا، بس لما لمست إيدي عشان أمسح العرق، لقيت صباعي بيطلع منه خيط أسود صغير، زي الخيط اللي كان مخيط بوقي.. عرفت إن اللعنة ما انتهتش، هي بس دخلت جوايا.. والوجبة الجاية، أنا اللي هطبخها.. بإيدي، ولنفسي.
………
وقفت في نص الشارع، والناس بدأت تتجمع، أصوات العربيات والزحمة اللي كانت حياة طبيعية بقت بالنسبة لي أصوات غريبة ومزعجة. رانيا حاضنة بنتنا وبتعيط بصوت مكتوم، وأنا واقف زي الصنم، حاسس ب الخيط اللي في صباعي بيتحرك، زي دودة بتسري تحت الجلد، بتمتد ببطء ناحية كف إيدي.
مشيت بيهم بعيد، دخلنا أقرب فندق، دخلت الحمام وقفلت على نفسي. بصيت في المراية، وشي مكنش وشي، كان وشه هو.. ملامح الحاج عبد العزيز بدأت تترسم على ملامحي، خطوط العجز، بريق العين الصفرا، وحتى نبرة الصوت. مسكت السكينة اللي كنت شايلها من المطبخ.. مكنتش عارف إزاي خدتها معايا، بس كانت في جيبي، باردة ومسنونة كأنها مستنية دورها.
يا أحمد.. أنت بقيت إحنا، وإحنا بقينا أنت.
الصوت مكنش طالع من وراي، كان طالع من جوه حنجرتي. بصيت للمراية، رانيا خبطت على الباب أحمد؟ إنت بتعمل إيه جوه؟ بقالك ساعة!
حاولت أرد، بس صوتي طلع غريب، صوت خشن بيطلع من صدر مليان دخان خايف عليهم يا رانيا.. خايف من اللي جوايا.
فجأة، حسيت بحاجة بتقرصني في كتفي، مكان العضة القديمة. لمست كتفي، لقيت خيط تاني أسود خارج من جلدي، وبدأ يمتد على المراية، يكتب حروف.. حروف بلغة قديمة، حروف كانت مكتوبة على اللحمة زمان. قريتها من غير ما أفهم معناها لا مفر من المائدة.. القاتل والمقتول مأكول.
بصيت لرانيا اللي فتحت الباب فجأة، لقيتها واقفة بتبصلي، عنيها مكنتش خايفة، عنيها كانت جوعانة. رانيا، اللي كانت دايماً بتبكي من الرعب، دلوقتي كانت بتبتسم نفس الابتسامة الشاقة اللي شوفتها على وش تامر. أحمد.. المطبخ جاهز في كل حتة، مش محتاجين بيت، إحنا البيت.
مسكت إيدها، لقيت إيديها
ساقعة متلجة، وبدأت ملامحها تتغير قدامي، عظام وشها بدأت تبرز، وبقها بدأ يتوسع. بنتنا دخلت وراها، كانت بتمشي بتقل، وعنيها كانت بتلمع بنفس اللون الأحمر القاني.
بابا.. قالت بنتي بصوت مش صوتها، أنا جعت تاني.. والمرة دي، مش عايزين لحمة.. عايزين أصل العيلة.
فهمت اللعبة أخيراً. اللعنة ما كانتش بتطاردنا، اللعنة كانت بتنتقل من جيل لجيل، إحنا المضيف اللي الكيان بيسكنه عشان يستمر في الأكل. أنا وأبويا وتامر، كلنا كنا مجرد أواني بيتبدل فيها العفن.
بصيت للسكينة في إيدي، وبصيت لمراتي وبنتي. عرفت إن الطريقة الوحيدة عشان أقطع الدايرة دي، مش إني أقتلهم، ولا إني أهرب.. الطريقة الوحيدة هي إني أغلق المائدة بنفسي.
ماشي.. قلتها بصوت رجولي قوي، صوتي أنا، مش صوتهم، لو ده اللي عايزينه، يبقى أنا اللي هوزع الوجبة.
رفعت السكينة، مش ناحيتهم، بس ناحية المراية اللي كانت بتعكس صوري كلها، صوري وأنا صغير،
وأنا شاب، وأنا شايل بنتي.. ضربت المراية بكل قوتي، اتكسرت لمليون حتة. في اللحظة دي، سمعت صرخة مسموعة من كل حتة في الدنيا، كأن الكون كله اتوجع.
الكيانات اللي كانت جواهم بدأت تخرج من بقهم في صورة دخان أسود، وتتجمع في نص الحمام، بتحاول تتشكل في صورة مائدة. مسكت حتة من إزاز المراية المكسورة، ونقشت على إيدي اسمي الحقيقي، الدم نزل أحمر، نقي، مش أسود.
الكيانات صرخت صرخة أخيرة قبل ما تتبخر، رانيا وبنتي وقعوا على الأرض فاقدين الوعي. بصيت لإيدي، الخيط الأسود كان بيتقطع، بيتحرق، وبيدوب.
قعدت جنبهم على الأرض، ومنهك، وبصيت من شباك الحمام. الفجر طلع، والشمس بدأت تطلع نورها اللي بيغسل كل سواد. عرفت وقتها إن المعركة خلصت.. بس الجرح اللي سابوه في روحي، والذكريات اللي شفتها، هتعيش معايا لبقية عمري.
سحبتهم وخرجت من الفندق، ومن المدينة، ومن كل مكان ممكن يربطنا بالعيلة دي. عيشنا.. بس في كل مرة بنشوف فيها لحمة، بنفتكر إن فيه عهود قديمة بتتربط بالدم، وإحنا، وبأعجوبة، قدرنا نفك العقدة.. قبل ما العقدة تفك رقبتنا.
تمت







