روايات وقصص

انا اللي ربيت اخويا الصغير

4

انا اللي ربيت اخويا الصغير

مقالات ذات صلة

كان العشاء مليئًا بالضحك والذكريات، وأخذ الأقارب يثنون على حسن تربيتي لإياد وكيف أنني استطعت العبور به إلى بر الأمان رغم كل الظروف الصعبة، وكان إياد يجلس بجانبي يبتسم بامتنان وعيناه تلمعان ببريق خاص لم أتبين معناه في تلك اللحظة. بعد أن انتهت السهرة وودعنا آخر الضيوف وأغلقت باب الشقة، شعرت براحة نفسية عميقة وهدوء لم أذق مثله منذ سنوات، فجلست على الأريكة في الصالة أستريح، بينما دخل إياد إلى غرفته بهدوء دون أن ينبس ببنت شفة، غاب لقرابة دقيقة كاملة، وحين عاد وخرج إليّ، تجمدت ووقفت مكاني مذهولاً، ولم أستطع تصديق ما تراه عيناي؛ كان يمسك بين يديه بعلبة قطيفة حمراء قديمة ذات حواف مذهبة تآكلت بفعل الزمن.. إنها علبة مجوهرات أمي القديمة الخاصة، التي كنت أعتقد جازمًا أنها ضاعت أو سُرقت في يوم ، ولم أرها منذ ثماني سنوات كاملة

. اقترب إياد مني بخطوات بطيئة ووقورة، وكانت علامات الجدية الصارمة قد ارتسمت على وجهه الشاب، ثم حط العلبة الثقيلة في إيدي، وبصلي في عيني بنظرة عميقة ، وقال لي بصوت منخفض ومتحشرج بهدوء غريب في حاجة يا مروان… أمي عمرها ما كانت عايزاك تعرفها، والعلبة دي فيها السر اللي عشت بيه طول السنين اللي فاتت.

ساد صمت رهيب في أرجاء الصالة، ولم أكن أسمع سوى دقات قلبي المتسارعة التي كانت تقرع في صدري كطبول نظرت إلى علبة القطيفة في يدي وكأنني أحمل أوشكت على ، ثم نظرت إلى إياد وسألته بصوت يرتجف أنت جبت العلبة دي منين يا إياد؟ العلبة دي كانت في عربية بابا وماما يوم ، والشرطة والمحاضر قالوا إن كل المتعلقات الشخصية اللي كانت معاهم ضاعت أو !. تنفس إياد الصعداء، وجلس أمامي على المقعد، ثم شبك أصابعه وقال العلبة دي ما ضاعتش

يا مروان، العلبة دي أمي هي اللي ادتهالي بإيدها وحطتها في شنطة ظهري الصغيرة قبل ما نركب العربية بنص ساعة، وقالت لي بالحرف الواحد يا إياد، لو جرى لنا أي حاجة في الطريق، اوعى توري العلبة دي لأخوك مروان أو لأي حد من قرايبك إلا لما تتم 18 سنة وتكون راجل قادر تفهم المكتوب فيها.. أمي كانت مړعوپة وهي بتديهالي، وأنا كتمت السر ده في قلبي طول السنين اللي فاتت، وكنت بداوي لأني عارف إن جوا العلبة دي كلام هيغير حياتنا كلنا. شعرت ببرودة شديدة تجتاح جسدي رغم دفء الغرفة، وبأصابع مرتعشة قمت بفتح القفل المعدني الصغير للعلبة، فانبعثت منها رائحة عطر أمي القديم المميز الذي

أعاد إليّ شريط

ذكريات الطفولة في ثانية واحدة، لكن كانت عندما نظرت إلى محتويات العلبة؛ لم يكن هناك أي مجوهرات أو ذهب أو أساور، بل كانت العلبة تحتوي على مجموعة من الأوراق الرسمية القديمة المصفرة، وشهادة ميلاد، ورسالة مطوية بعناية مكتوبة بخط يد أمي الواضح والجميل، وكان عنوان الرسالة المكتوب من الخارج باللون الأحمر يتكون من كلمتين فقط إلى ولدي مروان.

سحبت الرسالة المطوية ببطء شديد، وكأنني أسحب خيطًا رفيعًا يربطني بالماضي، وفردت الورقة بامتنان وخوف، وبدأت أقرأ كلمات أمي التي كتبت بدموعها، حيث كانت هناك بقع جافة على الورق غيرت لون الحبر في بعض المواضع، وكانت السطور تقول ابني الحبيب والغالي مروان..

5

انا اللي ربيت اخويا الصغير

إذا كنت تقرأ هذه السطور الآن، فهذا يعني أنني لم أعد موجودة في هذا العالم، وأن أخي الصغير إياد قد نفذ وصيتي وسلمك الأمانة بعد أن أصبح رجلاً. يا مروان، أكتب لك هذه الرسالة وأنا أشعر والذنب الذي نهش روحي وجسدي على مدار السنين الماضية، وأعلم أن ما سأقوله لك سيكون عمرك، لكنها الحقيقة التي يجب أن تعرفها والتي خبأتها عنك لحمايتك ولحماية عائلتنا من . مروان.. أنت لست ابني البيولوجي، وأنا لست أمك التي ولدتك، والرجل الذي رباك وعشته معه طوال حياتك ليس أبوك الحقيقي. توقفت عن القراءة فجأة، وشعرت برأس يدوخ، والكلمات بدأت تتراقص أمام عيني وتفقد معناها، نظرت إلى إياد الذي كان يتابعني بنظرات مليئة بالأسى والدموع تنهمر على وجنتيه، وهززت رأسي رافضًا ومستنكرًا وصحت فيه ده كدب! ده مستحيل! أنا فاكر كل لحظة في حياتي مع بابا وماما، أنا شبه بابا في ملامحه، وصوت أمي لسه في ودني.. إزاي تقول كدة؟ إزاي الورقة دي تقول كدة؟!. أشار لي إياد بيده باكيًا وقال بصوت متحشرج اقرأ للآخر يا مروان.. أرجوك اقرأ للآخر عشان تفهم الحكاية كاملة زي ما أنا فهمتها وعشت بيها.

عدت للورقة وعيني تغيم بالدموع، وتابعت القراءة وجسدي كله يرتعش كعصفور في مهب الريح أعلم يا بني أنك لن تصدق، لكن استمع إليّ. منذ ستة وعشرين عامًا، كنت أنا ووالدك نعيش في

صغيرة في بداية زواجنا، وكنت قد فقدت الأمل في الإنجاب بعد عمليات جراحية فاشلة كثيرة. وفي ليلة شتوية شديدة البرودة، تبلغت الشرطة عن في البناية المجاورة لنا؛ حيث عثروا على امرأة شابة غريبة عن المنطقة، وحيدة في شقتها المستأجرة إثر مرض مفاجئ، وكانت قد وضعت طفلاً رضيعاً قبل أيام قليلة وتركت بجانبه ورقة صغيرة مكتوب فيها اسم الطفل مروان وشهادة ميلاده وبضع كلمات تستجير بمن يجدك ليربيك. والدك، الذي كان يعمل وقتها محامياً شاباً ولديها معارف في القسم، علم بالقصة، وحين ذهبنا ورأيناك، وقع حبك في قلوبنا من اللحظة الأولى. وبدلاً من إرسالك للملجأ، قام والدك باستخدام نفوذه

نك ولدت في المنزل على يدي داية، وسجلناك باسمنا وعشت معنا كابننا البكر الشرعي والوحيد، وأغدقنا عليك من الحب والحنان ما لم يحظ به طفل في العالم، حتى أنساني حبك عقري وجعلني أشعر أنني أمك الحقيقية فعلاً. هنا توقفت الأنفاس في صدري، وامتدت يدي إلى قاع العلبة لترفع الأوراق الرسمية الأخرى، فوجدت شهادة ميلادي الحقيقية الأولى، وكان اسم الأم فيها مختلفًا تمامًا، واسم الأب فارغًا، وبجانبها أوراق تحقيق قديمة تثبت الواقعة وتفاصيلها التي تحت التراب منذ عقود.

تابعت قراءة الرسالة التي كانت تخبئ في طياتها الجزء الأكثر رعبًا وإثارة في هذه المأساة العائلية عشنا لسنوات في سعادة غامرة يا مروان، وكنت أنت كل دنيانا، حتى حدثت المعجزة الإلهية بعد ستة عشر عامًا من زواجنا، وحملت فجأة وأنجبت أخاك إياد. لم يتغير حبنا لك بعد ولادة إياد، بل زاد لأنك أصبحت الأخ الأكبر السند له. لكن قبل بشهرين، بدأت الكوابيس تلاحقنا؛ حيث ظهر في حياتنا فجأة رجل شرير يدعى مدحت، وهو شقيق والدتك البيولوجية الراحلة، والذي خرج من بعد قضاء طويلة في قضية تزوير . مدحت عثر بالصدفة على بعض الأوراق القديمة التي تخص شقيقته وعلم بقصتك، وعرف أن والدك قام بتزوير شهادة ميلادك. بدأ هذا الرجل في ابتزازنا بشكل ، وهددنا بأنه سيبلغ النيابة العامة پتهمة التزوير في أوراق رسمية واختطاف طفل، وهي تهمة كانت كفيلة

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى