روايات وقصص

انا اللي ربيت اخويا الصغير

2

انا اللي ربيت اخويا الصغير

مقالات ذات صلة

لم تكد تمر أيام قليلة على  والدينا وانقضاء أيام العزاء الرسمية، حتى بدأت الأصوات تعلو داخل جدران صالون منزلنا القديم، حيث تجمع أقاربنا من أعمام وأخوال وعمات ليتداولوا في أمر مستقبلي ومستقبل إياد. كانوا يتحدثون بنبرات ملؤها الشفقة المصطنعة والحسابات المادية المبطنة، وبدأوا يتناقشون حول من لديه القدرة والمساحة في منزله ليأخذ إياد ويعيش معه. كانت المشكلة الكبرى أن جميع أقاربي بلا استثناء كانوا يقطنون في محافظات بعيدة ونائية، وكان كل واحد منهم يقترح أخذ إياد ليربى مع أبنائه كنوع من الواجب العائلي، بينما كنت أنا الوحيد المستقر في نفس المحافظة بحكم عملي وإيجاري للشقة. استمعت إلى نقاشاتهم لعدة ساعات، وشعرت بالغثيان وأنا أراهم يتعاملون مع أخي الصغير كأنه عبء ثقيل

أو طرد بريدي يبحثون عن عنوان لإرساله إليه، وكنت أعلم علم اليقين أنه إذا وافقت على ذهاب إياد مع أي منهم، فإن حياتنا ستتشتت تمامًا، وسأحرم من رؤيته إلا في المناسبات، وسينمو في بيئة لا تشبه بيئتنا، ويفقد هويته وذكرياته مع والدينا. نظرت إلى إياد الذي كان يجلس في زاوية محتضنًا ركبتيه بوعي طفل يفهم أن مصيره يقرر الآن دون إرادته، ورأيت يلمع في عينيه الصغيرتين كأنه يستجير بي، في تلك اللحظة تذكرت آخر الكلمات التي قالها لي أبي قبل سفره بأيام أخوك أمانة في رقبتك يا مروان، فنهضت واقفًا وسط الجمع، وضبت صوتي بكل ما أوتيت من قوة وحسم، وقلت لهم بنبرة لا تقبل الجدال أو النقاش إياد مش هيتحرك من هنا، ومحدش منكم هيشيل همه.. أنا اللي هربيه، وأنا اللي هكون المسؤول عنه وعن كل تفاصيل حياته. حاول بعض الأعمام الاعتراض بحجة أنني ما زلت شابًا في مقتبل العمر،

وأن تربية طفل في العاشرة من عمره ستعوق طموحي المهني ومستقبلي الشخصي وفرصي في الزواج، لكنني صددت كل هذه الحجج بجدار صلب من الإصرار، ولم يمض سوى أسبوعين حتى أنهيت كل الإجراءات القانونية المعقدة في المحاكم، وصدر لي حكم رسمي ونهائي بأنني الوصي القانوني والشرعي على أخي الصغير إياد، لأصبح فجأة، وأنا في السادسة والعشرين من عمري، أبًا وأمًا وأخًا في آن واحد.

بدأت الفصول الأولى من حياتنا الجديدة، وكانت الشهور القليلة الأولى من أصعب وأقسى أيام حياتي على الإطلاق، حيث تجمعت عليّ كل الضغوط النفسية والمادية في وقت واحد. كنت ما زلت أعيش تحت وطأة فقدان بابا وماما، وأبكي سراً في المطبخ حتى لا ييراني إياد،

3

انا اللي ربيت اخويا الصغير

وفي نفس الوقت كان عليّ أن أتعلم بسرعة فائقة كيف أدير شؤون منزل كامل وكيف أربي طفلاً يمر بمرحلة عمرية حرجة ويحتاج إلى رعاية نفسية خاصة بعد التي تعرض لها. أصبحت حياتي عبارة عن طاحونة لا تتوقف عن الدوران؛ أستيقظ في الخامسة صباحًا لإعداد الإفطار وجهيز ملابس إياد المدرسية، ثم آخذه بيدي إلى مدرسته، وأنطلق مسرعًا إلى عملي في الشركة حيث كنت أبذل أقصى جهدي حتى لا يلاحظ مديري أي تقصير قد ېهدد مصدري الوحيد للدخل. الفلوس كانت بالعافية وبحسابات دقيقة جدًا، فمرتبي الذي كان يكفيني ويزيد حين كنت أعزب، أصبح الآن يذهب بالكامل لدفع إيجار الشقة، ومصاريف مدرسة إياد، ودروسه الخصوصية، وفواتير العلاج النفسي التي اضطررت للاستعانة بها لمساعدته على تجاوز وبكائه الليلي المفاجئ. كنت أشتغل ساعات إضافية طويلة، وأحياناً كنت آخذ مشاريع برمجية حرة لأنجزها ليلاً في

المنزل بعد أن ينام إياد، وفي ليالي كثيرة جداً، حين كان السكون يخيم على الشقة، كنت أجلس على الأرض بجانب ، أتأمل وجهه البريء الملائكي، ودموعي بغزارة من شدة التعب والإرهاق الدائم القابع في صدري من أنني قد لا أكون أعمل ما يكفي لعشانه، أو أنني قد أفشل في تعويضه عن حنان أمنا ورعاية أبونا، لكن في كل مرة كان يبتسم فيها إياد وهو نائم أو يركض نحوي معانقاً إياي عند عودتي من العمل قائلاً أنا بحبك يا مروان، كنت أشعر بقوة غريبة تسري في جسدي، وتنسيني كل التعب، وتدفعني للمواصلة دون كلل أو ملل.

مرت السنوات الثماني بسرعة مذهلة وكأنها طيف عابر في خيال، وتوالت الفصول وتغيرت الأحوال، وقدرنا بفضل الله وصبرنا أن نكمل الطريق

معًا يداً بيد، حتى كبر الصغير وتحول ذلك الطفل المذعور إلى شاب يافع، طويل القامة، ذكي ومحبوب من الجميع. نجح إياد في امتحانات الثانوية العامة بتفوق باهر وحصل على مجموع كبير يؤهله لدخول كلية الهندسة التي طالما حلم بها، واليوم شارف على إتمام عامه الثامن عشر، ليصبح بالغًا عاقلاً أمام القانون والمجتمع. في ليلة عيد ميلاده الثامن عشر، كنت أشعر بفخر واعتزاز لا يمكن لأي كلمات في العالم أن تصفه، كنت أنظر إليه وأرى ثمرة تعبي وسهري وسنين عمري التي قدمتها له عن طيب خاطر، واحتفالاً بهذه المناسبة العظيمة التي تمنيت لو كان والداي حاضرين ليشهدوا تفاصيلها، قمت بدعوة عدد قليل من أقاربنا المقربين الذين لم نقطع وصالهم تمامًا على العشاء في منزلنا الصغير الذي شهد كل كفاحنا.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى