قصص و روايات

حماتي

مد محمود يده، وريهام وضعت يدها في يده. وفي نفس اللحظة، كانت سعاد تراقبهما من بعيد. لم تكن تصدر الأوامر هذه المرة، كانت مجرد أم تعلمت درسًا لن تنساه: البيوت لا يحميها التحكم، يحميها الاحترام. أما ريهام، فلم تعد تلك الزوجة التي دخلت حفلة عيد جوازها وهي تخشى مفاجأة حماتها؛ كانت امرأة مستقلة، ناجحة، عارفة قيمتها. وحين أغلقت صفحة الماضي، لم تكن تنتقم من أحد، كانت فقط تفتح صفحة جديدة بشروطها هي.

مرت شهور بعد قرار ريهام ومحمود إنهم يبدأوا من جديد، لكن المرة دي كل حاجة كانت مختلفة. محمود ما رجعش يعيش معاها فورًا؛ اتفقوا إنهم ياخدوا وقتهم، ويتعرفوا على بعض من جديد، وكل واحد يحافظ على شغله ومساحته. أما سعاد، فالتزمت تمامًا بكلامها. لكن في يوم، حصل موقف اختبر التغيير كله. كانت ريهام في مكتبها لما دخلت السكرتيرة وقالت: “مدام ريهام، في وفد من شركة كبيرة عايز يقابلك.” “مين؟” “شركة اسمها النور للاستثمار.” ريهام رفعت رأسها.. الاسم كان مألوفًا: “خليهم يدخلوا.” دخل ثلاثة أشخاص، وفي مقدمتهم رجل في الخمسين من عمره، ابتسم وقال: “أنا سامح النور، عندي عرض ممكن يضاعف حجم شركتك.” ريهام سمعت العرض بهدوء، لكنها لاحظت إن الرجل بيحاول يفرض شروطًا تقلل من صلاحياتها. قالت: “أنا ممكن أقبل شراكة، لكن مش هبيع قراري.” ابتسم سامح: “فكري كويس، العرض ده فرصة مش هتتكرر.” ردت: “أنا مش مستعدة أبيع حاجة تعبت فيها عشان رقم كبير.” خرج الرجل. وبعدها بساعات، اتصل محمود: “سمعت عن العرض.” “مين قالك؟” “سامح كلمني.” ريهام سكتت: “وقال لك إيه؟” “حاول يقنعني إني أضغط عليك.” ريهام تنفست بعمق: “وإنت عملت إيه؟” “قلت له إن القرار قرارك.” ابتسمت: “محمود، أنا فخورة بيك.” قال: “المرة دي لما سمعت كلمة مراتك، ما حسيتش إني لازم أتحكم في قرارك، حسيت إني لازم أحترمه.” بعد أيام، اكتشفت ريهام إن سامح لم يكن يريد شراكة فقط، كان يريد السيطرة على السوق بالكامل؛ رفضت عرضه وبدأت تتوسع بنفسها. بعد عام، أصبحت شركتها من الشركات المعروفة في مجالها. وفي يوم افتتاح فرع جديد، صعدت ريهام إلى المنصة. وسط التصفيق، نظرت إلى محمود وسعاد بين الحضور، وقالت: “من سنة ونص، حد قدملي ورقة طلاق قدام الناس وكان فاكر إنها نهاية حياتي.” ضحك بعض الحاضرين. كملت: “لكن الورقة دي كانت بداية أهم رحلة في حياتي.” ثم نظرت لمحمود: “اتعلمت إن الإنسان ممكن يتعثر، لكن التعثر مش معناه النهاية. واتعلمت إن الاعتذار الحقيقي مش كلمة، لكنه تغيير.” ثم نظرت لسعاد: “واتعلمت إن بعض الناس ممكن يغلطوا في حقنا، لكن الأهم إننا نقرر إحنا هنعيش باقي عمرنا إزاي.” صفق الجميع. بعد الحفل، اقترب محمود منها وقال: “فاكرة أول مرة شفتك فيها؟” “أيوه.” “كنت فاكر إني أنا اللي هحميكي.” ضحكت: “وطلعت أنا اللي علمتك تحمي بيتك.” ابتسم: “لا، علمتيني أحترم اللي بحبه.” ثم مد يده: “جاهزة نكمل؟” ريهام بصت ليده، ثم ابتسمت: “المرة دي.. آه.” وفي مكان بعيد عنهم، كانت سعاد تراقبهما وهي مبتسمة. لم تعد ريهام بحاجة لإثبات أنها مقتدرة مادياً، ولا أنها أقوى من حماتها، ولا أنها قادرة على العيش وحدها، لأنها وصلت للحظة أهم: أصبحت تعرف قيمتها حتى لو لم يعرفها أحد. وهكذا، لم تكن ورقة الطلاق هي نهاية الحكاية، كانت الورقة التي جعلت ريهام تكتشف نفسها وتجعل محمود يكتشف الرجل الذي كان يجب أن يكونه من البداية. النهاية الحقيقية لم تكن إن ريهام رجعت لجوزها، كانت إنها رجعت لنفسها أولًا، وبعدها فقط اختارت من يستحق أن يمشي بجانبها.

بعد سنة من بداية حياتهما الجديدة، كانت ريهام ومحمود واقفين في شقتهما الجديدة. المكان كان مختلفًا تمامًا عن البيت القديم؛ لا أحد يفرض رأيه، لا أحد يقرر عنهما، وكل شيء اتفقا عليه معًا. لكن في ليلة هادئة، رن جرس الباب. فتح محمود، فتفاجأ بوالدته واقفة أمامه وبجانبها رجل يحمل ملفًا.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى