قصص و روايات

حماتي

قالت سعاد: “أنا مش جاية أعمل مشكلة.” محمود رد بحذر: “أمال مين الأستاذ ده؟” قال الرجل: “أنا المستشار فؤاد، محامي والدك الله يرحمه.” ريهام اقتربت: “محامي والدك؟” فتح الرجل الملف وقال: “والد محمود ترك وصية من سنوات، لكن تنفيذها كان مرتبطًا بشرط معين.” محمود سأله: “إيه الشرط؟” قال: “إنك تثبت إنك قادر تدير أموالك وحياتك بنفسك، من غير تدخل أي شخص آخر.” محمود نظر إلى والدته، وفهمت ريهام فورًا. الوصية كانت تخص جزءًا كبيرًا من ممتلكات والده، لكن المفاجأة لم تكن في قيمة الميراث، كانت في جملة كتبها والده بخط يده: “الثروة التي لا تصنع رجلًا مسؤولًا، تصبح عبئًا عليه.” محمود قرأ الجملة أكثر من مرة، ثم قال: “أنا مش عايز حاجة مش مستحقها.” المحامي ابتسم: “وده بالضبط سبب استحقاقك لها.” سعاد دمعت عيناها وقالت: “أبوك كان عارف إن أكبر مشكلة عندك مش الفلوس، كانت إنك بتسيب غيرك يقرر مكانك.” محمود بص لريهام: “والحمد لله إني اتعلمت.” لكن ريهام لم تكن تنظر إلى قيمة الميراث، كانت تنظر إلى شيء آخر، وقالت: “لو هتاخد حقك، لازم تستخدمه صح.” محمود ابتسم: “عندي فكرة.” بعد عدة أشهر، استخدم محمود جزءًا من الميراث في إنشاء صندوق لتمويل مشروعات الشباب والسيدات، بينما احتفظ بجزء آخر لاستثمار عائلي طويل المدى. أما سعاد، فكانت أول من تبرع للجمعية التي أنشأتها ريهام. وبعد سنوات، أصبحت الجمعية والشركة والصندوق ثلاث مؤسسات ناجحة تخدم مئات الأسر. وفي يوم، وقفت ريهام في حفل كبير تنظر إلى محمود وسعاد وهما يتحدثان معًا، فابتسمت. اقترب محمود منها وسأل: “بتفكري في إيه؟” قالت: “في الليلة اللي حماتك قدمتلي فيها ورقة الطلاق.” ضحك: “لسه فاكرة؟” “عمري ما هنسى.” “ندمانة؟” هزت رأسها: “على إيه؟” “إنك وافقتي تنهي الجواز وقتها.” ابتسمت ريهام وقالت: “لو ما حصلش الطلاق، يمكن ما كناش اتعلمنا كل اللي اتعلمناه.” محمود سكت، ثم قال: “يعني الورقة كانت سبب في إننا نرجع؟” ردت: “لا.” “أمال إيه؟” قالت وهي تنظر إليه: “إحنا رجعنا لأننا اتغيرنا، الورقة بس كانت بداية الطريق.” وفي آخر الحفل، طلب محمود منها المشاركة في فقرة التكريم، ضحكت وقالت: “بعد كل اللي حصل، لسه ناسي الإجراءات؟” قال: “مش المهم التفاصيل، المهم إنك معايا.” مدت يدها ومشا وسط الناس. أما سعاد فكانت واقفة بعيدًا تراقبهما ثم ابتسمت لنفسها؛ لقد فهمت أخيرًا أن البيت لا يحتاج أمًا تتحكم في كل شيء، ولا زوجًا ضعيفًا يخاف أن يقول لا، ولا زوجة تضطر لإثبات قيمتها كل يوم. البيت يحتاج ثلاثة أشياء فقط: احترام وثقة وحدود واضحة. وهكذا، بعد كل ما حدث، أصبحت ورقة الطلاق التي ظنت سعاد أنها ستكون أقسى إهانة لريهام مجرد ذكرى قديمة؛ ذكرى بدأت بها أكبر صدمة في حياتها وانتهت بأجمل بداية.

مرت عشر سنوات. كبرت شركة ريهام وأصبح اسمها معروفًا في مجالها، بينما نجح محمود في إدارة استثماراته بعيدًا عن أي تدخل عائلي. أما سعاد فتغيرت حياتها بالكامل؛ لم تعد تتداخل في الأمور بأمرها، بل أصبحت تزور ريهام كأنها ابنتها وتحترم خصوصية بيتها. وفي أحد الأيام، كانت ريهام جالسة في مكتبها عندما دخلت ابنتها الصغيرة وكانت تحمل صندوقًا فضيًا قديمًا، قالت: “ماما، لقيت ده في المخزن.” ريهام اتجمدت؛ عرفت الصندوق فورًا.. نفس الصندوق الذي قدمت لها فيه سعاد ورقة الطلاق. ابنتها سألت: “هو ده كان فيه إيه؟”

ريهام أخذته من يدها وفتحت الغطاء.. كان فارغًا، فابتسمت.
قالت ابنتها: “ليه بتضحكي؟”
ردت ريهام: “عشان الصندوق ده زمان كان سبب في أكبر وجع في حياتي.”
“وبعدين؟”
“وبعدين بقى سبب في أحلى تغيير حصل لي.”
محمود دخل الغرفة في اللحظة نفسها وسمع آخر جملة فقال: “إيه الحكاية؟”
رفعت ريهام الصندوق وقالت: “بنتك لقت صندوق الطلاق.”
ضحك محمود: “الصندوق ده لسه موجود؟”
قالت: “أيوه.”
اقترب محمود ونظر إليه، ثم قال لابنته: “تعرفي إن جدتك كانت فاكرة إن الصندوق ده هيخلي أمك تبكي؟”
الطفلة ضحكت: “وماما بكت؟”
ريهام هزت رأسها: “لا.”
محمود ابتسم: “قالت لها شكرًا.”
الطفلة ضحكت أكثر، ثم سألت: “شكرًا على إيه؟”
ريهام نظرت إلى محمود، ثم قالت: “على إنها خلتني أعرف قيمتي.”
الطفلة لم تفهم تمامًا لكنها ابتسمت.
وفي المساء، اجتمعت العائلة؛ كانت سعاد جالسة مع حفيدتها، وريهام في المطبخ، ومحمود يساعدها في ترتيب السفرة.
دخلت سعاد وقالت: “سيبها يا محمود، أنا أساعدها.”
ريهام ضحكت: “لا يا حماتي، خليكي قاعدة، محمود بقى بيعرف يساعد.”
ضحك الجميع.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى