قصص و روايات

حماتي

سعاد قالت: “أنا نفسي أكتب كتاب عن الغلطات اللي عملتها.” محمود رد: “اكتبي أول فصل بعنوان: متدخليش في حياة ابنك.” ضحكت سعاد وقالت: “وأنت اكتب فصل بعنوان: ما تبقاش ضعيف وتسيب أمك تقرر مكانك.” ريهام بصت لهم، وقالت: “وأنا هكتب آخر فصل.” سألتها ابنتها: “هيكون عن إيه؟” ابتسمت ريهام: “عن إن الإنسان لما يتعرض لظلم، قدامه طريقين؛ يا إما يعيش طول عمره أسير للوجع، يا إما يحول الوجع لبداية جديدة.” سكت الجميع، ثم أضافت: “وأنا اخترت البداية.” وفي نهاية الليلة، أخذت ريهام الصندوق الفضي ووضعته في مكان واضح داخل مكتبها، لم ترمه ولم تخفه لأنه لم يعد يمثل الطلاق، أصبح يمثل اللحظة التي فهمت فيها أنها أقوى مما كانت تتخيل. ووقفت أمام المرآة وقالت لنفسها: “أنا ما كسبتش حماتي وما كسبتش محمود، أنا كسبت نفسي.” ثم أغلقت الصندوق ومشت نحو عائلتها. ومن يومها، كلما سألها أحد عن سر نجاحها، كانت تبتسم وتقول: “أحيانًا أكبر صدمة في حياتك بتكون الباب اللي ربنا بيفتحه عشان تبدأ حياتك الصح.” وهنا انتهت حكاية ريهام فعلًا، ليس لأن كل شيء أصبح مثاليًا، بل لأنها تعلمت كيف تجعل حياتها أفضل مهما حدث.

بعد مرور عشر سنين، كانت ريهام واقفة في حفل كبير بتكرّم فيه مجموعة من السيدات اللي ساعدتهم يبدأوا مشروعاتهم. وسط التصفيق، لمحَت حماتها سعاد قاعدة في الصف الأول، فابتسمت لها. سعاد كانت مختلفة تمامًا عن الست اللي دخلت عليها يوم عيد جوازها وهي شايلة علبة فضية فيها ورقة طلاق. بعد انتهاء الحفل، اقتربت سعاد من ريهام واحتضنتها وقالت: “سامحيني يا بنتي.” ريهام سكتت لحظة، ثم ردت: “أنا سامحتك من زمان، بس مش عشان أنسى اللي حصل، عشان أعيش أنا مرتاحة.” بصت سعاد لها والدموع في عينيها: “لو رجع بيا الزمن، ما كنتش عملت اللي عملته.” ابتسمت ريهام: “وأنا لو رجع بيا الزمن، برضه كنت هفتح العلبة وأقولك شكراً.” ضحكت سعاد وسط دموعها. في اللحظة دي، جاء محمود ووقف بجانب ريهام وقال: “فاكرة أول مرة قلتيلي إنك مش هترجعي غير لما أحترمك؟” “فاكرة.” “إنتِ كنتِ صح.” ابتسمت ريهام: “وأنت اتعلمت.” محمود مد إيده لها: “نكمل؟” مسكت إيده: “نكمل.” ومن بعيد كانت ابنتهم الصغيرة بتصورهم وهي بتضحك. بعد انتهاء الحفل، رجعت ريهام إلى مكتبها وفتحت درجًا قديمًا، وجدت العلبة الفضية، أخرجت ورقة الطلاق ونظرت إليها للحظات، ثم مزقتها ووضعَتها في صندوق الأوراق القديمة. لم تعد الورقة تخيفها، ولم تعد تجرحها، لقد أصبحت مجرد ذكرى لليوم الذي اكتشفت فيه قوتها. وقبل أن تغلق الدرج، كتبت على ورقة صغيرة: “أكبر رد على شخص حاول يكسرك، إنك تبقى سعيد من غير ما تحتاج تضر حد.” أغلقت الدرج وعادت إلى عائلتها. وفي آخر المشهد، كانت ريهام ماشية بجانب محمود، بينما سعاد تمشي خلفهما وهي تضحك مع حفيدتها. وهكذا انتهت الحكاية؛ حماتها لم تخسر ابنها، وريهام لم تخسر حياتها، ومحمود لم يخسر زوجته بسبب ضعفِه. كل واحد فيهم اتعلم درسًا، لكن ريهام كان نصيبها أجمل درس: إن بعض النهايات التي نبكي عليها في البداية تكون في الحقيقة بداية الحياة التي كنا نستحقها من زمان.

النهاية.

7 من 7التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى