
قلبه اتقبض.
فضل يدور عليها لحد ما لقاها مرمية جنب المأوى.
ما كانتش قادرة تقوم.
ياسين مسك الموبايل بإيدين متجمدة واتصل بكامليا.
لما وصلت، كشفت عليها.
وبعدها رفعت عينها لياسين بجدية.
وقالت
الليلة دي ممكن نخسرها.
ياسين سحب كرسي وقعد جنب الحظيرة.
وبص للعجوز من بعيد.
وقال
يبقى الليلة دي مش هتبات لوحدها.
حكايات بسمة
كان الجو شديد من السقعة، والتبريد في عظام الجسم مالوش رحم. الريح كانت بتصفّر بين أركان الحظيرة الصاج، والهدوء اللي في المكان كان حاد وزي السكينة. ياسين السعدني حط البطانية الثقيلة على كتافه، وقعد على كرسيه الخشب جنب العجوز. كانت راقدة على الجنب، نفسها طالع بصعوبة وبخار أبيض بيكثف قدام بوزها مع كل زفير يتسحب بالعافية.
الدكتورة كامليا كانت لسه مخلصة تركيب المحلول المعلق في العارضة الخشبية، بتبص للتنقيط بنظرات مشتتة بين الأمل واليأس، والتفتت لياسين وهي بتمسح إيديها بقطعة قماش
يا حاج ياسين، القعدة هنا في الثلج ده خطر على صحتك إنت كمان. جسمك مش هيستحمل، وإنت عندك 72 سنة! اطلع نام في البيت وأنا هفضل أراقبها لحد الفجر.
ياسين بص للجاموسة العجوز، وعينيه كانت ثابتة على عينها اللي فاضل فيها لمعة حزن قتالة، وقال بصوت حكيم وهادي
اللي يفوت صاحبه في أضيق ليلة، ما يلزموش يكون صاحب يا كامليا. الروح دي شالت القطيع كله على كتافها وهي جعانة، وما استسلمتش إلا لما جابتهم للبر. ودلوقتي الدور عليا أنا… سيبيني مع أختي، وروحي إنتِ ارتاحي لك ساعتين عشان تفوقي لمواعيد العلاج الصبح.
كامليا هزت رأسها بأسف واحترام، وسابت الفانوس الدافئ جنبه وغادرت للمضيفة.
ياسين قرب كرسيه أكتر، ومد إيده المليانة تجاعيد وشقى السنين، وحطها على رقبة العجوز. شعرها كان خشن وبارد، بس كان فيه نبض ضعيف بيحاول يقاوم.
قاومي يا عجوز…
همس ياسين وهو بيتكلم معاها كأنها بني آدم فاهم كل كلمة
إنتِ ما شفتيش الخير لسه. المزاد والبنك والناس اللي كانت بتضحك علينا… كل ده عدى خلاص. أرض عزيزة واسعة، والشمس بكرة هتطلع وتدفي عضمك. عزيزة الله يرحمها كانت تقول لي يا ياسين، المال السايب يضيع، بس الروح اللي تصونها تشيلك في كبرك. قومي عشان نغيظ رامي البدري ونوريه إن ال 43 روح دول مش ورق في ملف هالك!
العجوز حركت وذنها المتقطعة حركة خفيفة جداً، وفتحت عينها نص فتحة كأنها بتسمع. ياسين جاب شوية قش ناشفين، وبدأ يفرك في جسمها برفق عشان ينشط الدورة الدموية، وفضل طول الليل بين قراءة القرآن وبين الكلام معاها، يغطيها ببطاطين قديمة، ويسقيها مية دافية بعسل.
مع أول خيوط الفجر، وشعاع الشمس الدهبي المائل اللي انكسر على أرض الوادي الجديد، المحلول كان خلص. العجوز أخذت نفس طويل… وعطست!
ياسين اتنفض من كرسيه! العجوز بدأت تتحرك، وحطت إيديها القدامانية تحت جسمها، وبعد محاولتين، وقفت على حيلها! صح صحيح كانت بتهتز، بس وقفت على رجليها الأربعة بثبات!
قربت من ياسين، ومسحت بوزها في كتفه بهدوء عظيم.
ياسين الدموع اتجمعت في عينيه وابتسم ابتسامة عريضة شقت وشه
الله أكبر… الله أكبر عليكِ يا عجوز! طلعتِ أرجل من مية راجل ببدلة وصرف!
بعد مرور أربع شهور…
الربيع دخل على الوادي الجديد، وأرض النور تحولت لمنظرة تانية خالص. التغذية السليمة، والنظام البيطري الصارم اللي مشيت عليه الدكتورة كامليا، مع حنية واهتمام ياسين، عملوا معجزة حقيقية.
ال 43 جاموسة برية ما بقوش مجرد مواشي هزلانة ضلوعها باينة؛ دول تحولوا لقطيع ضخم، صحته بتبرق، جلودهم بتلمع تحت الشمس، وأوزانهم زادت للضعف! والأهم من ده… إن البركة حلت، وأغلب الإناث كانوا حوامل، وخلال الأسبوعين الأخيرين بدأت العجول الصغيرة تتولد في المزرعة! عجول برية بصحة ممتازة، شقية، حركتها مالية المكان صهيل وجري.
في صباح يوم دافي، نزلت عربية شيروكي فاخرة على الطريق الترابي للمزرعة، وركنت جنب السور.
نزل منها رامي البدري، مدير المنطقة في البنك، ولابسه بدلة أنيقة، ومعاه اتنين من أكبر أصحاب المزارع والمستثمرين في المحافظة، منهم الحاج توفيق، رجل أعمال كبير في تسمين المواشي.
توفيق كان باصص للقطيع من ورا السور بذهول مش قادر يخفيه، وحاطط إيده على خده
مش معقول… مش معقول إطلاقاً يا رامي! هي دي نفس الحيوانات النافقة اللي إنت بايعها في المزاد ب 22 ألف؟! ده العجل الصغير من دول يسوى لوحده مبلغ وقدره! البنية العظمية والمناعة بتاعة الجاموس البري ده حاجة مفيش زيها في السوق كله!
رامي كان واقف وشه أصفر، حاسس بالخيبة والمرارة، مش مصدق إن الرهان اللي خسره وحقر منه، بقى مشروع بيساوي الملايين.
في اللحظة دي، خرج ياسين السعدني من الحظيرة، لابس جلبابه البلدي البسيط، وحاطط الشال على كتفه، وفي إيده عصاية خفيفة، وبجنبه العجوز ماشيّة جنبه زي الظل!
صباح الخير يا حاج توفيق… أهلاً يا مدير.
قالها ياسين بنبرة هادية وواثقة وهو بيبتسم.
توفيق قرب منه بسرعة ومد إيده يسلم بشغف
يا حاج ياسين! الله أكبر على شغلك بركة الصلاة على النبي! أنا جاي لك في شغل جد… أنا محتاج أشتري منك 15 عجل من الصغار دول، وهديك في العجل الواحد السعر اللي تطلبه، كاش وعلى الداير دلوقتي!
رامي اتكلم بسرعة وهو بيحاول يداري كسفته ويستغل موقعه
والبنك يا حاج ياسين مستعد يقدم لك قروض وتسهيلات بضمان القطيع ده، وناخد إحنا تسويق العجول دي للمزارع الكبيرة… إنت عارف الإمكانيات عندنا!
ياسين بص لرامي بابتسامة هادية، وبعدين التفت للحاج توفيق وقال بصوت سمع كل اللي واقفين
يا حاج توفيق… ويا سيادة المدير. الفلوس اللي ادفعت في المزاد ده، ما كانتش فلوس اشتريت بيها لحم وعظم. الفلوس دي كانت إنقاذ أرواح كانت هتترمى في الزبالة بسبب حسابات الورق والمديرين اللي في المكاتب المكيفة!
رامي اتحرج ونزل عينيه في الأرض.
كمل ياسين وهو بيطبطب على ظهر العجوز
العجول دي مش للبيع للي عايز يتجر بيها وخلاص. العجول دي هتفضل هنا، هتكبر وهتعمّر الأرض، واللي عايز يشتري منها… ييجي يتعلم الأول إزاي يصون الروح ويتقي ربنا في المال، وبعدها نتكلم في السعر.
توفيق هز راسه بإعجاب شديد
عندك حق يا حاج ياسين… واللهم لا حسد، ربنا يبارك لك في حلالك.
في المساء…
وصلت ليلى بنت ياسين من القاهرة، ومعاها شنطها. أول ما نزلت من العربة وشافت المزرعة والحيوانات الصاحية، والبهجة اللي رجعت لوش أبوها والصحة اللي ردت فيه، جرت عليه وحضنته بدموع دافية
سامحني يا بابا… أنا كنت خايفة عليك من التعب والكسرة. بس إنت أثبت لي إن قلبك وشغلك أحسن من ألف دراسة وحسابات.
ياسين ضحك بحرارة وحضن بنته
يا بنتي… اللي بيعتمد على الله وبيصون أمانته، عمره ما بيتكسر. أمك عزيزة كانت تقولي الأرض والروح ما بيكرهوش اللي يخدمهم بعرق جبينه.
قعدوا كلهم على المصطبة القديمة أمام البيت، يشربوا الشاي بالنعناع، والقطيع بيتحرك بسلام وهدوء في الأرض الواسعة تحت ضوء القمر.
وعرف الجميع في الوادي كله إن الحاج ياسين السعدني ما اشترى الخسارة في المزاد… ده اشترى البركة والكرامة والأمل اللي بيعيّش الإنسان مرفوع الرأس لأخر يوم في عمره.
تمت
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




