
وخرجت.
المطر نزل على وشي مرة واحدة.
كنت بره المستشفى.
لكن فرحتي ماكملتش ثانيتين.
الساحة الخلفية كانت محاطة بسور عالي.
وفي آخرها بوابة عليها حارس.
بصيت يمين.
عربيات إسعاف.
شمال.
عربية نقل نفايات كانت بتتحرك ببطء ناحية البوابة.
جريت ناحيتها.
فتحت الباب الخلفي قبل ما تتحرك بسرعة، وطلعت.
استخبيت ورا صناديق بلاستيك.
العربية اتحركت.
وصلت البوابة.
سمعت الحارس بيقول للسواق:
— استنى.
العربية وقفت.
— أوامر جديدة. لازم نفتش العربيات.
نفسي وقف.
سمعت الباب الخلفي بيتفتح.
نور دخل.
الحارس طلع جوه.
خطواته قربت.
كنت مستخبية بين صندوقين.
قرب أكتر.
وفجأة جهازه اللاسلكي اشتغل:
— لقيناها!
الحارس وقف.
صوت جوزي جه من الجهاز:
— فين؟
— الدور التاني، عند المصاعد!
الحارس نزل بسرعة.
الباب اتقفل.
العربية اتحركت.
معرفتش مين اللي شافوه.
لكن فهمت حاجة واحدة.
الممرضة.
كانت بتضحي بنفسها علشان تخرجني.
بعد دقايق، العربية خرجت من المستشفى.
فضلت مستخبية لحد ما حسيت إننا بعدنا.
ولما العربية وقفت عند إشارة، فتحت الباب ونزلت.
جريت تحت المطر.
مكنش معايا موبايل.
ولا فلوس.
ولا بطاقة.
ولا حتى هدومي.
كنت ست هربانة بزي عاملة نظافة من مستشفى خاص، ومش عارفة أروح فين.
أول فكرة جت في دماغي كانت الشرطة.
3
خلف غرفة العمليات حكايات اسما السيد 1
لكن فجأة افتكرت حاجة.
جوزي كان يعرف ناس كتير.
والدكتور كان صديق عيلته من سنين.
وكل الأوراق الرسمية جوه المستشفى بتقول إني داخلة بإرادتي لإجراء عملية تبرع.
لو رحت أقول إنهم كانوا هيقت/لوني علشان ياخدوا قلبي…
مين هيصدقني؟
وقفت تحت مظلة محل مقفول.
كنت برتعش.
وفجأة سمعت صوت عربية وقفت قدامي.
رجعت لورا.
الباب اتفتح.
ونزلت منها…
الممرضة.
شهقت.
— إنتِ؟!
كانت هدومها مبلولة، وشعرها لازق في وشها، وفي خدها جرح صغير.
قالت:
— اركبي بسرعة.
— إنتِ هربتي إزاي؟
— بعدين.
— ابنك؟
وشها اتغير.
— اركبي.
ركبت.
انطلقت بالعربية بسرعة.
فضلت باصة لها.
— مين إنتِ؟
ما ردتش.
قلت:
— وليه بتساعديني؟
شدت على الدركسيون.
— لأنك لو متي الليلة… أنا مش هقدر أبص في وش نفسي تاني.
— ده مش جواب.
سكتت.
قلت:
— إنتِ قلتي إن ابنك جوه المستشفى. إيه علاقة ابنك بالموضوع؟
دموع نزلت من عينيها.
لكنها ما مسحتهاش.
قالت:
— ابني عنده سبعتاشر سنة.
— ماله؟
— محتاج زراعة قلب.
اتجمدت.
بصيتلها.
وبعدين فهمت الجملة بطريقة خلت جسمي كله يبرد.
قلت بصوت مخنوق:
— لا…
الممرضة بصتلي.
— متفهميش غلط.
— قلبي كان لابنك؟!
— لأ!
صرختها بسرعة.
وقفت العربية فجأة على جنب الطريق.
لفتلي.
— والله لأ. ابني ملوش علاقة باللي كانوا هيعملوه فيكي.
قلت:
— أمال إيه علاقته؟
حطت وشها بين إيديها للحظة.
وبعدين رفعت راسها.
— أنا عرفت الشبكة دي بسبب ابني.
— شبكة إيه؟
— شبكة بتتاجر في الأعضاء من جوه المستشفى.
بصيتلها وأنا مش قادرة أستوعب.
قالت:
— من أربع شهور، ابني دخل قائمة انتظار لزراعة قلب. الدكتور عرض عليا حل.
— حل إيه؟
— قاللي لو دفعت مبلغ معين… ابني ممكن يطلع فوق ناس مستنية من سنين.
سكتت.
— رفضت.
— وبعدين؟
— بدأت أشك. دورت في ملفات المرضى. لقيت حاجات مستحيل تكون صدفة.
قربت منها.
— زي إيه؟
قالت:
— ناس داخلة عمليات بسيطة… وتموت فجأة.
— وبعدين؟
— عائلات توافق بسرعة على التبرع بأعضائهم.
— يمكن ده طبيعي.
هزت راسها.
— مش لما نفس الدكتور يكون موجود في كل الحالات.
قلبي خبط.
قالت:
— ومش لما كل الأعضاء تروح لمرضى محددين بيدفعوا مبالغ ضخمة.
سألتها:
— وجوزي؟
بصت قدامها.
— جوزك مش مجرد شخص وافق يبيعك.
سكتت لحظة.
ثم قالت:
— جوزك واحد منهم.
حسيت الدنيا اسودت.
— واحد من مين؟
قالت:
— اللي بيجيبوا الضحايا.
ماعرفتش أتكلم.
جوزي؟
الراجل اللي عشت معاه؟
الراجل اللي كنت هتبرعله بجزء من جسمي؟
قالت الممرضة:
— قبل شهرين، سمعت الدكتور بيتكلم عنه. قال إنه أخيرًا لقى الحالة المناسبة.
— أنا؟
هزت راسها.
— إنتِ.
— مناسبة لمين؟
سكتت.
قلت:
— قلبي كان رايح لمين؟!
بصتلي.
— معرفش اسمه الحقيقي.
— بس أكيد تعرفي حاجة.
— أعرف إنه شخص غني جدًا… وإن حالته الصحية بتتدهور بسرعة.
— وعشان كده يق/تلوني؟!
قالت:
— الموضوع أكبر من شخص واحد.
رجعت العربية تتحرك.
بعد حوالي عشرين دقيقة دخلنا شارع جانبي هادي.
وقفت قدام عمارة قديمة.
قالت:
— هنقعد هنا مؤقتًا.
طلعنا شقة صغيرة في الدور التالت.
أول ما دخلنا، قفلت الباب بتلات أقفال.
بعدين راحت ناحية دولاب قديم.
طلعت منه شنطة سوداء.
حطتها على الترابيزة.
فتحتها.
كانت مليانة ملفات.
صور بطاقات.
تقارير طبية.
أسماء مرضى.
قالت:
— دي نسخ من الملفات اللي قدرت أجمعها.
قعدت قدامها.
بدأت أقلب.
اسم.
صورة.
تاريخ دخول.
تاريخ.
وفجأة…
إيدي وقفت.
صورة واحدة كانت قدامي.
ست في أواخر الخمسينات.
أنا أعرفها.
قريبتي.
كانت ماتت من سنتين أثناء عملية بسيطة.
قلت:
— دي…
الممرضة بصت للصورة.
— تعرفيها؟
— دي خالتي.
وش الممرضة اتغير.
سحبت الملف بسرعة.
فتحته.
بدأت تقرأ.
وبعدين بصتلي.
— إيه؟
ما ردتش.
— قولي!
قالت:
— خالتك ما ماتتش بسبب مضاعفات العملية.
حسيت قلبي وقع.
— أمال ماتت إزاي؟
دفعت الملف ناحيتي.
في آخر الصفحة كان فيه توقيع.
توقيع موافقة.
اسم الشخص اللي وافق بعد وفاتها على التبرع بأعضائها.
بصيت للاسم.
إيدي بدأت ترتعش.
لأن الاسم كان…
اسم جوزي.
رفعت عيني للممرضة.
— إزاي؟ أنا مكنتش متجوزاه وقتها غير من كام شهر… ومالوش أي صفة قانونية تخص خالتي.
قالت:
— بالضبط.
قلبت الصفحة.
كان فيه مستند تاني.
إقرار مكتوب فيه إن خالتي ماعندهاش أقارب مباشرين، وإن جوزي هو الشخص المسؤول عنها وقت دخولها المستشفى.
قلت:
— ده كذب.
— عارفة.
— مين عمل الورق ده؟
الممرضة أشارت لتوقيع الدكتور.
نفس الدكتور.
قعدت على الكرسي وأنا حاسة إن رجلي مش شيلاني.
افتكرت اليوم اللي خالتي ماتت فيه.
جوزي كان معايا طول الوقت.
هو اللي خلص الإجراءات.
هو اللي قالي:
— إنتِ تعبانة… سيبي كل حاجة عليا.
وأنا شكرته.
حضنته.
وقلت لنفسي إن ربنا رزقني براجل بيقف جنبي.
مكنتش أعرف إنه كان بيمسح آثار ج/ريمة.
سألت الممرضة:
— ليه خالتي؟
قالت:
— معرفش.
وبعدين سحبت ورقة من الملف.
— لكن فيه حاجة أغرب.
— إيه؟
— الشخص اللي استلم أحد أعضائها… اسمه موجود في ملفك إنتِ كمان.
بصيتلها.
— يعني إيه؟
— نفس الشخص اللي استفاد من موت خالتك من سنتين… هو نفسه اللي كانوا مجهزينك عشانه الليلة.
— مين؟
قبل ما ترد…
صوت خبط عنيف جه على باب الشقة.
اتجمدنا.
خبطة تانية.
الممرضة طفت النور.
همست:
— مستحيل يكونوا عرفوا المكان بالسرعة دي.
الخبط اتكرر.
وبعدين سمعنا صوت راجل من بره:
— افتحي… أنا عارف إنها عندك.
بصيت للممرضة.
وشها بقى أبيض.
همست:
— مين ده؟
لكنها ما ردتش.
لأن الصوت اللي جه من ورا الباب قال جملة خلتها تقع على الكرسي:
— افتحي يا أمي.
بصيتلها بصدمة.
ابنها.
الولد اللي قالت إنه محجوز جوه المستشفى وبيستنى قلب جديد…
كان واقف بنفسه ورا الباب.
والأغرب إنه ماكانش بيتكلم بصوت ولد مريض.
كان صوته ثابت وقوي.
وبعدين قال:
— قبل ما تهربيها، كان لازم تقولي لها الحقيقة كلها.
الممرضة قربت من الباب وهي بتترعش.
قلت:
— حقيقة إيه؟
لفتلي.
وفي عينيها شفت نفس النظرة اللي شفتها أول مرة في المستشفى.
نظرة واحدة مخبية سر أخطر من كل اللي عرفته.
قالت بصوت مكسور:
— سامحيني… أنا كذبت عليكي في حاجة واحدة.
— إيه هي؟
بصت ناحية الباب.
وبعدين رجعت بصتلي.
— ابني مش مستني قلب.
سكتت لحظة.
وقالت:
— ابني من تلات سنين.
وفي نفس اللحظة…
المقبض بدأ يتحرك من بره.
يتيع
وبالفعل، بدأت أدور على أي حد يساعدني.




