
5
خطيبي حكايات رومانى مكرم 2
المنطقة كلها تحت بيتنا كانت واقفة على أطراف صوابعها. الصوت العالي اللي خرج من صالتنا وصريخ طارق وهو بيتضــ,,ـــــرب، خلى الجيران كلهم يخرجوا في البلكونات ويقفوا في الشارع مستنيين يشوفوا “المهندس المحترم” وهو طالع. ولما باب العمارة اتفتح، وخرج طارق بين أبوه وعمامه، وشه متغرق دم، قميصه مقطوع، ورجليه بتتسحل على الأرض ومش قادر يرفع عينه في عين حد، الشارع كله اتجمد من الصدمة.
الناس اللي كانت بياخدوا بكلمته ويحلفوا بأخلاقه، بقوا يتهامسوا ويشاوروا عليه. أبوه كان ماشي بسرعة وزي ما يكون بيهرب من نظرات الجيران، وعمامه كانوا ماشيين حاطين رؤوسهم في الأرض من كتر الخزي والكسفة. وفي لحظة، واحد من كبار الشارع وقفهم وسأل بصوت عالي: “خير يا حاج؟
فيه إيه وطارق مال وشه كدة؟” عم طارق الكبيرة مبصش في وشه رد بكل حسرة: “ابننا وكسنا وجاب لنا العار.. حسبي الله ونعم الوكيل فيه وفي اللي رباه! “الكلمة نزلت على الشارع زي القنبلة، وفي دقائق كانت الحقيقة منتشرة في كل بيت في المنطقة: طارق اللي كان بيعمل فيها الشريف العفيف، اتكشف على حقيقته، والجامد اللي فكر يطعن في شرف بنت أصل، اتأدب وأخد علقة المــ,,ـــــوت جوة بيتها ورجع لأهله مجرور من كرامته!
في الصالة عندنا، كان الجو مليان بفخر وكبرياء مش طبيعي. بابا كان قاعد على الكرسي، ماسك إيدي وبيعيط من الفرحة والراحة، وإخواتي أحمد ومحمود واقفين ونفسهم عالي من الأكشن اللي حصل، بس عينيهم بتلمع بنصر.
ساعة أحمد قرب مني وطبطب على كتفي وقال بصوت كله حنية وغضب مكتوم: “والله العظيم يا أختي لو كان نطقت بكلمة زيادة كنت .تلك إياه في صالتنا!
بس الحمد لله إنك طلعتي أجدع منا كلنا، ورجعتي حقك وحق أهلك بالدليل والبرهان قدام عيلته كلها!”محمود كمل وهو بيضحك بانتصار: “ده مش هيعرف يمشي في الشارع ولا يرفع عينه في وش راجل لمدة سنة قدام!
الدهب اللي كان جاي ياخده بتبجح، بقى حسرة في قلبه، وشه اللي اتعجن ده ثمن قليل أوي على كدبه وطعنه فيكِ! “بس القصة مكنتش خلصت عند النقطة دي.. الانتقام الحقيقي وطعنة القدر كانت لسه جاية.
طارق وأهله، لما رجعوا بيتهم وشافوا الفضيحة اللي بقت على كل لسان، الخبث والمكر اشتغلوا عندهم تاني. طارق، من كتر الغل والحقد اللي في قلبه، ومكانش قادر يستوعب إن بنت قدرت تكسر غروره وتفضحه بالصوت والصورة، فكر إنه يتحدانا وينتقم بالطريقة الخسيسة اللي شبهه.
بعد أسبوعين من الواقعة، وبعد ما جروحه بدأت تلم شوية، تفاجأنا بشرارة جديدة. طارق استغل إن معاه نسخة من صور الخطوبة والمناسبات اللي كانت بينا، ورسايل قديمة عادية، وبدأ بواسطة واحد صاحبه شغال في صيانة الموبايلات، يعمل صفحات فوتوشوب وفيديوهات مفبركة بصوتي، محاولة منه لإعادة ترويج الإشاعات ونشرها بين معارفنا وعلى جروبات المنطقة علشان يرد كرامته المهدورة!
في يوم الجمعة بالليل، جاني إشعار على الموبايل من واحدة صاحبتي بتجري وتقولي: “الحقي يا فلانة! فيه أكونت فيك نازل على جروب المنطقة كاتب كلام قذر وحاطط صور ومقاطع صوتية مفبركة ليكي، وطارق وعيلته داخلين يعملوا لافات وشير وبيقولوا أهو الحق ظهر!”النــ,,ـــــار ولعت في البيت تاني.
أحمد ومحمود مسكوا التليفون وكانوا هيتجننوا، وبابا مسك قلبه من الصدمة، وقال: “الكلب ده مابيرتدعش! ده عايز يتقطع حتت!”بس المرة دي، أنا مكنتش محتاجة أصرخ ولا أعيط. الست اللي تكسر راجل خاين بالدليل المرة الأولانية، تقدر تدفــ,,ـــــنه بالقانون والعدل المرة التانية.
بصيت لإخواتي وقولت بثبات: “استنوا.. الضــ,,ـــــرب باليد بيجيب حق وقتي، لكن الضــ,,ـــــرب بالقانون بيكسر الظهر العمر كله. هو فاكر إننا في زمن الفتوة بس؟ ده نسى إن فيه حاجة اسمها مباحث الإنترنت وعقوبات التشهير والابتزاز الإلكتروني!
“ثاني يوم الصبح، أخدت التليفون، وجميع التسجيلات الأصلية، والأكونت الفيك، والبوستات اللي طارق وأقربائه عملوا عليها شير، وتوجهت أنا وبابا وأحمد على إدارة مكافحة جرائم تقنية المعلومات (مباحث الإنترنت).قدمنا بلاغ رسمي بالابتزاز الإلكتروني، والتشهير، والسب والقذف، وتزوير محتوى رقمي.
الظابط المسئول لما شاف التسجيلات القديمة وشاف الفبركة الواضحة في الصور والفيديوهات، أخد الموضوع بجدية كاملة، وخلال 48 ساعة بس، الصدمة الكبرى نزلت على دماغ طارق! النيابة أصدـ,,ـــرت أمر بضبط وإحضار طارق وصاحبه مهندس الصيانة، وتفتيش تليفوناتهم ولاب توباتهم.
في فجر يوم الأحد، والشارع كله نايم، وقفت عربيتين شرطة قدام بيت طارق. الظباط طلعوا وشالوه من وسط سر,,ـــــيره بالكلابشات في إيده، قدام أبوه وأمه اللي كانوا بيصرخوا ويتوسلوا، والشارع كله اتفرج عليه وهو نازل بدموعه وبيستنجد بعمامه اللي رفضوا حتى ينزلوا يدافعوا عنه المرة دي بعد ما عرفوا القذارة اللي عملها!
الأكثر قراءة الان خطيبي حكايات رومانى مكرم 1 منذ 3 ساعات خطيبي حكايات رومانى مكرم 3 منذ ساعتين حكايات اسما 1 منذ ساعة في الفحص الفني للتليفونات، المباحث طلعت بلاوي! مش بس الفبركة اللي عملها ليا، ده لقوا على تليفونه وتليفون صاحبه بلاوي ثانية ورسايل ابتزاز لبنات ثانين كان بيمارس معاهم نفس الأسلوب القذر، ولقوا الأدلة الكاملة اللي تثبت إنه هو اللي أدار الصفحة الفيك بنفسه!
التهم التفت حوالين رقبته زي المشنقة: ابتزاز، تشهير، تزوير مستندات رقمية، وانتهاك حرمة الحياة الخاصة. المحضر اتحول للنيابة العامة، ومنها لمحكمة الجنايات والاقتصادية. طارق اللي كان بيتمشى بفخر واعتزاز وبيفرد جسمه على خلق الله، بقى محبوس احتياطي على ذمة قضية كفالتها أرقام خيالية والتهمة فيها فيها حبس مش أقل من 3 لـ 5 سنين!
أبوه وجده يجرو على بيتنا تاني، بس المرة دي مكنش معاهم طارق، ولا كان معاهم نفخة كدابة. أبوه جيلنا بيعيط، بيبوس إيد بابا قدام الجيران في الشارع ويترجاه: “يا حاج تنازلوا عن القضية! الولد مستقبله ضاع وهيدخل السجــ,,ـــــن! أبوس إيدكم اعفوا عنه والمبلغ اللي تطلبوه كتعويض هنيدفعه!
أبوس إيدكم اعفوا عنه والمبلغ اللي تطلبوه كتعويض هنيدفعه!”بابا بص له بنظرة قسوة وكبرياء، وسحب إيده منه وقاله بصوت سمع الشارع كله: “لما جيت بيتي تطعن في شرف بنتي، مجهتش تفكر في مستقبلها ولا سمعتها! لما جه ابنك يفبرك صور ويشهر بيا وبأهلي، مجهش يفكر إن ربنا بالمرصاد!
ابنك مكانش محتاج يتربى في بيتنا بس.. ابنك محتاج يتربى في السجــ,,ـــــن عشان يعرف إن شرف بنات الناس مش لعبة في إيد الأندال!”وقفت أم طارق وأخواته البنات قدام باب شقتنا، يدمعوا ويتوسلوا لأمي في المدخل، وكانت الشارع كله يتفرج على الموقف اللي يقلب الموازين.
المرة دي مفيش كبر ولا تناكة، المرة دي انكسار تام وخزي مالوش أول من آخر. أم طارق مسكت في جلابية أمي وبقت تصرخ بصوت مكتوم: “يا أم فلان، اعتبريه ابنك وغلط! المستقبل هيضيع، المهندس اللي حيلتنا هيدخل السجــ,,ـــــن مع المجرمين!
روحوا ابكوا عليه في السجــ,,ـــــن، لأن السجــ,,ـــــن هو المكان الوحيد اللي هيعلمه يعني إيه رجولة وأصول!”قفلت أمي الباب في وشهم، ورجعت الصالة وهي مرفوعة الراس، وكان صوت دعوات الجيران في البلكونات واصل لحد عندنا: “يسلم فمك يا أم فلان! أصل ونظافة وحقكم يرجع للقانون!
“مرت الأيام وجاء موعد جلسة المحاكمة أمام المحكمة الاقتصادية والجنايات. المحكمة كانت مليانة على آخرها، أهله وعمامه قعدوا في الناحية الشمال، وجوههم شاحبة وعيونهم زايغة في الأرض، طارق كان واصل من الحبس الاحتياطي، متكلبش في إيد عسكري، لابس طقم السجــ,,ـــــن الأبيض، شعره مطفي، وشه باهت، ودقنه خفيفة، وعينيه متورمة من كثرة العياط والخوف.
مكنش هو ده “المهندس المحترم” صاحب النبرة المتبجحة اللي كان حاطط رجل على رجل في صالتنا وبيقول عليّ “محتاجة أتربى”! وقفت أنا وبابا وأخويا أحمد مع المحامي بتاعنا في المنصة. لما القاضي دخل وهز الشاكوش، الصمت التام حل على القاعة.
المحامي بتاع طارق قام يحاول يتكلم ويدافع بأسلوب واهي: “يا سيادة القاضي، الموكل شاب مستقبله واعد، وكان هناك خلافات خطوبة أدت إلى اندفاع طيش شباب، والصور والمقاطع كانت محاولة لرأب الصدق وتوضيح موقفه وليس للابتزاز أو التشهير المتعمد…
“هنا قام محامينا ورد بكل قوة وحزم، وقدم للمحكمة التقرير الفني الشامل الصادر من إدارة مكافحة جرائم تقنية المعلومات، والتقرير أثبت بالأدلة الدامغة والقاطعة: * إنشاء الصفحة الوهمية من شريحة هاتف مسجلة باسم طارق. * استخدام برامج تعديل الصوت والفوتوشوب لفبركة المقاطع.
* وجود مدــ,,ـــــادثات وتهديدات صريحة منه بيطلب فيها مساومتي بالرجوع أو التنازل عن الشبكة وإلا ينشر المقاطع المفبركة. الأكثر قراءة الان خطيبي حكايات رومانى مكرم 1 منذ 3 ساعات خطيبي حكايات رومانى مكرم 3 منذ 3 ساعات حكايات اسما 1 منذ ساعة * المفاجأة الكبرى التي قدمها البحث
نطالب بأقصى عقوبة ينص عليها القانون لتكون رادعاً لمن تسوّل له نفسه . أنا.. أنا كنت غضبان.. هي رفعت راسها عليا وفضحتني قدام عيلتي وأهلي.. أنا كنت عايز أرد كرامتي بس…”سكت القاضي لحظة، ونظر في الأوراق، ثم رفع رأسه وقال بصوت هز جدران المحكمة: “الكرامة لا تُبنى على الباطل، والأعراض ليست ساحة لتصفية الحسابات!
من يبحث عن الكرامة يلتزم بالحق والأصول، لا بالخسة والافتراء!”رفع القاضي الجلسة للمداولة. الساعتين اللي قضيناهم مستنيين الحكم كانوا زي الدهر على طارق وأهله. أمه كانت قاعدة برة بتقرأ قرآن وبتعيط بصوت عالي، وباباه كان واقف ساند راسه على الحيطة ومش قادر يبص لأي حد من الناس.
الأكثر قراءة الان
رجعت من السفر
منذ أسبوع
رجعت من السفر2
منذ أسبوع
خطيبي حكايات اسما السيد 1
منذ أسبوع
وبعد فترة، اتفتحت القاعة ورجع القضاة للمنصة. النطق بالحكم كان لحظة حاسمة يترقبها الجميع. ساد الصمت، وقرأ القاضي الحكم بكل حزم:”حكمت المحكمة حضورياً على المتهم طارق… بالسجــ,,ـــــن المشدد لمدة ثلاث سنوات، وغرامة مالية قدرها مائة ألف جنيه، ومصادرة كافة المضبوطات والأجهزة المستخدمة في الجريمة، وإحالة الدعوى المدنية للمحكمة المختصة للتعويض عن الأضرار الأدبية والنفسية التي لحقت بالمجني عليها.
“أول ما القاضي نطق بكلمة “السجــ,,ـــــن المشدد ثلاث سنوات”، صرخت أم طارق صرخة هزت الممر، ووقعت على الأرض مغمى عليها، وباباه اتسمر مكانه والدموع نزلت من عينيه وهو شايف ابنه المهندس بيتسحب بالكلابشات من العسكري ورجليه مش شايلاه، وبيصرخ بانهيار: “يا بابا الحقني!
يا بابا اعمل أي حاجة! أنا خايف يا بابا!”أول ما القاضي نطق بكلمة “السجــ,,ـــــن المشدد ثلاث سنوات”، صرخت أم طارق صرخة هزت الممر، ووقعت على الأرض مغمى عليها، وباباه اتسمر مكانه والدموع نزلت من عينيه وهو شايف ابنه المهندس بيتسحب بالكلابشات من العسكري ورجليه مش شايلاه، وبيصرخ بانهيار: “يا بابا الحقني!
يا بابا اعمل أي حاجة! أنا خايف يا بابا!”العسكري مسكه بقوة ومشي بيه ناحية التخشيبة عشان يتنقل لسجــ,,ـــــن العمومي، وفي اللحظة دي، طارق تلفّت ورائه وشافني واقفة جنب بابا وأخويا أحمد. بصيت في عينيه مباشرة، مكنش في عينيا أي غل أو انتقام، كان فيه بس شموخ وراحة ونظرة استحقاق.
وقفت بثبات وراسي مرفوعة، وسبته يتسحل لصيره المحتوم. خرجنا من باب المحكمة، والشمس طالعة مالية المكان، بابا حــ,,ـــــضنني جامد وقال بصوت مليان دموع وفخر: “الله يرضى عليكِ يا بنتي.. علمتينا وعلمتي الشارع كله إن البنت العفيفة القوية تقدر تاخد حقها بالحق والقانون، وإن الظالم لازم يترد له عمله في الدنيا قبل الآخرة.
“لكن رغم السجــ,,ـــــن ورغم العقوبة، كانت فيه مفاجأة ثانية مستنية طارق في شغله وفي حياته العملية، مفاجأة هتكمل كسر كبرياءه وتثبت إن اللي يفرّط في شرف الناس، الدنيا كلها بتقفل أبوابها في وشه. .. بس، لأن الفضايح اللي من النوع ده في عصر السوشيال ميديا ايا الاقتصادية بتوصل لأبعد مما أي حد يتخيل.




