
في مكتبه، فتح درج خاص وبص على الشيء الوحيد اللي بيحميه بحرص يفوق أي عقد عمل. جوه إطار إزاز صغير، كان موجود الشريط الأحمر الباهت، اللي بقى هش بفعل الزمن، ومحفوظ بأحسن ما يمكن للمال توفيره. في كل صبح كان بيبص عليه، وفي كل صبح كان بيفاجئه السؤال نفسه بنفس القوة: هي فين؟
جلب اجتماع مجلس الإدارة التصفيق المعتاد، والمصافحات، والتهاني المنمقة. ربع سنوي تاني مربح، واستحواذ ذكي تاني، وأوضة تانية مليانة بناس مبهورة برجل بتقدر قيمة شركته دلوقتي بـ 47 مليون جنيه. كان ياسين بيبتسم لما يتوقع منه ده، وبيتكلم لما يتطلب الأمر، من غير ما يحس بأي حاجة خالص.
-
محمد فواز الوحيدي (أبو صهيب)منذ 7 ساعات
-
بقالي تسع شهورمنذ يوم واحد
-
أمي رمتني انا وابويامنذ يومين
-
يحكي ان امرأةمنذ 3 أيام
#انجي_الخطيب
بعد كده، حاصره شريكه في الشغل “ماجد” وهو بيقول إنه بيراقب الوضع ده من سنين؛ فياسين مستمر في شراء أراضي وعقارات في المنطقة الشعبية اللي كبر فيها من غير ما يحقق أي ربح على المدى القصير، والكل عارف السبب: الموضوع متعلق بالبنت دي، البنت اللي بيدور عليها. قال له ماجد إنها يمكن مش عايزة حد يوصلها، فأمره ياسين إنه يبطل كلام.
بس الوقت كان فات على ده؛ فخمس سنين، وتلات محققين خصوصيين، ومبالغ ضخمة ما وصلوش لحاجة. كان اسم “هبة” شائع أوي، وعيلتها اختفت تمامًا بعد ما سابوا المنطقة القديمة من سنين طويلة.
وفي وقت متأخر من العصر ده، شال ياسين الشريط بنفسه ورجع بيه للمدرسة الابتدائية القديمة، وهناك عم “إبراهيم” الحارس العجوز بص عليه بصة واحدة، قبل ما يهمس باسم خلى جسم ياسين كله يصاب بالقشعريرة لأن عرف ان هبه…….
بص ياسين لعم إبراهيم بذهول، قلبه بيدق في ودانه زي طبول الحىرب، مسك إيد الراجل العجوز بقوة وهو بيسأل بصوت مخنوق: “هبة؟ هبة فين يا عم إبراهيم؟ أنت متأكد؟”
الراجل العجوز اتنهد بوجع، وبص للأرض كأنه بيسترجع شريط ذكريات مهترئ، وقال بصوت واطي ومبحوح: “هبة اللي كانت بتسيب نص أكلها عشانك؟ البنت اللي كانت بتضحك رغم الهم اللي شايلينه أهلها؟ هبة يا بني مخرجتش من دايرة الوجع.. لما كبرت، أبوها جوزها لواحد أكبر منها بضعف سنها، واحد خدها بعيد عن هنا، ومن وقتها وهي بتلف في ساقية الفقر اللي إحنا طالعين منها، بس المرة دي الساقية دي طىحنتها بجد، هبة بقت أرملة وعندها تلات عيال، وساكنة في أوضة فوق السطوح في حي عشوائي أطراف البلد، بتبيع خضار في السوق عشان تأكل ولادها.”
ياسين حس إن العالم كله وقف لحظة، الفخامة اللي هو فيها، بدلة الـ 47 مليون، ومكاتب الإدارة، كل ده اتمسح فجأة قدام صورة هبة وهي بتمد إيدها بالساندوتش الصغير وهي طفلة. ساب إيد عم إبراهيم وجري ناحية عربيته، السواق بيسأل بقلق: “يا فندم، نروح فين؟”، صرخ فيه ياسين: “امشي، أي مكان، أنا عارف السكة!”
وصل الحي العشوائي اللي ريحته بتفكروا بطفولته القاسية، مشي في شوارع ضيقة ومظلمة، صوت الكلاب بيعلى، والناس بتبص للراجل الغريب ببدلته الغالية اللي منورة وسط العفن والفقر. وصل للبيت المتهالك، طلع السلم الخشبي اللي بيطقطق تحت رجليه، لحد ما وقف قدام باب خشب مخلع. خبط إيده على الباب، قلب هيبة بيبعد عنه كل كبرياءه، فتحت الباب ست باين في عينيها انكسار السنين وتعب العمر، ملامحها لسه هي، بس الحياة سرقت لمعة عيونها، بصتله باستغراب وقالت بصوت مكسور: “مين حضرتك؟ عايز مين؟”
ياسين وقف قدامها، الدموع محبىوسة في عينيه، طلع من جيبه الشريط الأحمر الباهت، اللي كان شايله زي التميمة، ووراهولها، هبة اتجمدت في مكانها، إيديها بدأت ترتعش، وبصت للشريط وبعدين لبست وشه، وهمست بذهول: “ياسين؟ الواد اللي كان بيراقب السندوتشات؟”
ياسين ماردش، دموعه نزلت وهو بيبص للمكان البسيط اللي هي عايشة فيه، وقال بصوت بيتهدج من العياط: “جيت أوفى بالوعد يا هبة.. جيت أقولك إني بقيت غني، بس اكتشفت إني طول السنين دي كنت أفقر إنسان في الدنيا من غيرك.”
هبة بكت، مش من الفرحة، بس من تقلبات الزمن وقسوة الأيام، دخلته البيت وسط ولادها اللي بيبصوله بفضول، وبصتله وقالت: “يا ياسين.. الفلوس اللي بتدورو عليها دي، أنا صرفتها في عز حياتي، وعشت فقر ما يتوصفش، بس الشريط ده.. الشريط ده هو الحاجة الوحيدة اللي فضلت نضيفة في حياتي، أنت جيت متأخر أوي يا ياسين، بس جيت.”
ياسين بص حواليه في الأوضة الضيقة، مفيش غير مرتبة متهالكة في الركن، ولمبة صفراء بتتهز مع كل نسمة هوا داخلة من الشباك المكسور، وطفلين نايمين في حضن بعض بيدفوا براءة بعض من برد الليل. الوجع اللي حس بيه في قلبه كان أقوى من أي صفقة خسرها أو كسبها في حياته.
اتقدم خطوة ناحيتها، والبدلة الغالية اللي لابسها كانت بتمسح التراب اللي على حيطة السطوح، نزل لمستواها، قعد على ركبه قدامها من غير ما يهتم ببدلته أو بريحة المكان، مسك إيديها اللي كان باين فيها خشونة السنين وشقا السوق، وقال بصوت مليان ندم: “أنا مكنتش متأخر.. أنا كنت تايه، كنت بجمع الورق اللي يوصلني ليكي، بس كنت فاكر إن الفلوس هي اللي هتخليكي تفخري بيا، اكتشفت دلوقتي إن أغلى حاجة كانت معاكي أنتِ.. الحتة الحمرا دي اللي حفظتيها رغم إنك مكنتيش لاقية تاكلي.”
هبة سحبت إيديها براحة، مسحت دموعها بطرف طرحتها القديمة، وبصتله بنظرة فيها كرامة المقهورين: “الفلوس بتغير النفوس يا ياسين، وأنت النهاردة بقيت واحد من أصحاب الملايين، والناس اللي زيك دنيتهم تانية خالص.. إيه اللي جابك هنا؟ أنت جاي تحسسني بفقري؟ ولا جاي توريني إنك قدرت؟”
ياسين هز راسه بسرعة، وعيونه احمرت من الوجع: “جاي عشان أقولك إن ياسين الصغير، الجعان اللي كان بيستنى الساندوتش عشان يكمل يومه، لسه هو اللي قدامك، ولسه هو اللي وعدك، أنا مش عايز أغير حياتك بفلوس، أنا عايز أرجع اللي ضاع مني.. عايز أرجع الأمان اللي كان في ضحكتك وأنا طفل.”
في اللحظة دي، طفل من الولاد صحي على صوت العياط، قام وقعد بيبص لياسين بخوف، هبة خدت ابنها في حضنها، وفي اللحظة دي ياسين حس إن كل “الـ 47 مليون” اللي في حسابه مالهمش أي معنى قدام “الأربعين جنيه” اللي كان ممكن توفر عشا دافي للولاد دول.
طلع تليفونه، رماه على الأرض بعيد، وبص لهبة وقال: “مش همشي من هنا إلا وأنا عارف إني قدرت أرد جزء صغير من دين برقبتي.. مش عشان أنا غني، بس عشان أنا ياسين، وأنتِ لسه هبة اللي كانت بتقسمني رغيفها وهي مش عارفة هتتعشى إيه.”
هبة ابتسمت ابتسامة باهتة، وقالت بصوت مكسور: “يا ياسين، الرغيف اللي قسمته زمان كان لله، مكنش استثمار.. بس لو عايز فعلاً ترد الدين، ساعدني أربي العيال دول، مش بالفلوس، بس بوجودك اللي فقدناه كلنا في الحتة دي.”
ياسين حس إن دي أول مرة يحس فيها إنه بني آدم بجد، مش مجرد آلة بتجمع أرقام، وقف، وبص للسما اللي بانت من فوق السطوح، ووعد نفسه إن الليلة دي هي بداية حياة تانية خالص، حياة مش هتبدأ من الصفر، بس هتبدأ من المكان اللي الحقيقة والصدق لسه موجودين فيه.
……….








